الساكت عن الحق شيطان أخرس حين يتحوّل الحج إلى واجهة… والفساد إلى هوية

عرفان الداوودي

منذ عام 2003، تغيّر الكثير في العراق، لكن أكثر ما يثير الألم ليس تراجع الخدمات فحسب، بل ذلك الخلل العميق في منظومة القيم، حين اختلطت الشعائر بالمصالح، والدين بالمظاهر، والقداسة بحسابات النفوذ.

يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾،
فأين العدل حين يشعر المواطن البسيط أن حقه يُزاح، وأن دوره في الطوابير لا يُحترم؟

لم يعد مشهد قوافل الحجاج كما كان باعثًا للطمأنينة، بل صار لدى كثيرين مدعاة للتساؤل: لماذا تتكرر الشكاوى من غياب أسماء مستحقين من القوائم؟ ولماذا تتقدّم أسماء على حساب أخرى دون وضوح في المعايير؟

وهنا يتردد القول: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”،
وهو ليس دعوة للفوضى، بل نداءٌ للمسؤولية—لأن الصمت عن الخلل حين يتكرر، يرسّخه بدل أن يُصلحه.

وقد قال النبي ﷺ:
“إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”،
وهو ميزان يذكّرنا بأن أخطر ما يواجه المجتمعات هو ازدواجية المعايير، لا مجرد الخطأ نفسه.

الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من كبار السن، وعوائل الشهداء، ومن ينتظرون هذه الفريضة منذ سنوات، يشعرون بأن الفرص لا تصلهم كما ينبغي، بينما تتصاعد أحاديث عن تدخلات ووساطات تُربك مبدأ العدالة في التوزيع.

الحكومة تُقرّ بوجود فساد في مؤسسات عدة، لكن الاعتراف وحده لا يكفي. المطلوب إجراءات شفافة، وقوائم واضحة، وآليات تضمن أن يصل الحق إلى أهله دون تمييز.

إن الخطر الحقيقي ليس في وجود أخطاء فحسب، بل في تحوّلها إلى واقع مألوف. حين يفقد الناس ثقتهم بعدالة التوزيع، فإننا لا نخسر خدمةً إدارية فقط، بل نخسر الثقة بين المواطن والدولة.

ليس المقصود حرمان أحد من العبادة، فذلك بين العبد وربه، لكن صون العدالة في تنظيمها واجبٌ على من يتولى شؤون الناس. فالشعائر يجب أن تبقى نقية من الشبهات، بعيدة عن كل ما يُضعف قدسيتها.

العراق اليوم بحاجة إلى صوتٍ صادق، يطالب بالشفافية، ويُذكّر بأن العدالة ليست شعارًا، بل مسؤولية. لأن الإصلاح يبدأ حين نرفض الصمت، ونطالب بحقوقنا بوعيٍ وحكمة، لا بتجريحٍ ولا بتهور.

قد يعجبك ايضا