أعدِمونا… فازددنا عددًا، هجّرونا… فصرنا خريطة، ظنّوا أنها النهاية… فبدأنا

أحمد زبير باني

في تاريخ الشعوب لحظاتٌ لا تُقاس بمرور الزمن، بل بعمق الجرح الذي تتركه، وبقوة النهوض الذي يليها. وفي ذاكرة الكورد، يقف حدثان كجبلين متقابلين: بينهما وادٍ من الألم، وفوقهما سماء لا تنطفئ فيها إرادة الحياة.

في صباحٍ بارد من عام 1947، ارتفع جسد قاضي محمد على حبل الإعدام في ساحة مهاباد. لم يكن ذلك مجرد إعدام رجل، بل محاولة لإعدام فكرة، لإسكات حلمٍ نطق باسم شعبٍ كامل. ظنّ الذين شدّوا الحبل أن الصوت سينكسر، وأن الذاكرة ستخضع لقانون النسيان. لكن الحبال، مهما اشتدت، لا تملك أن تخنق المعنى. سقط الجسد، لكن الفكرة صارت أخفّ من أن تُمسك، وأثقل من أن تُمحى.

مرت الأعوام، وكأن الزمن يختبر صبر الكورد مرةً بعد أخرى، حتى جاء عام 1991، حين تحوّلت الأرض إلى طريقٍ طويل من الأقدام المتعبة، فيما عُرف بـ الهجرة المليونية 1991. لم تكن هجرةً عادية، بل كانت سيلاً بشريًا يصعد الجبال هربًا من الموت، يحمل على ظهره ذاكرةً كاملة: أمهاتٌ يخبئن الخوف في صدورهن، أطفالٌ يتعلمون معنى الوطن من البرد والجوع، وشيوخٌ يسندون الزمن بأيديهم المرتجفة.

بين إعدام قاضي محمد والهجرة المليونية 1991، تمتدّ قصة شعبٍ لم يُمنح رفاهية الانكسار. كل محاولةٍ لإطفائه كانت تُشعل فيه نارًا أعمق. كل مأساةٍ كانت تتحول، ببطءٍ عنيد، إلى ذاكرةٍ تقاوم النسيان، وإلى وعدٍ غير مكتوب بأن النهاية لم تأتِ بعد.

لقد عرف الكورد الإعدام، كما عرفوا النزوح، وذاقوا طعم الفقد كما ذاقوا مرارة الصمت الدولي، لكنهم لم يتعلموا يومًا كيف يكون الاستسلام. كأنهم شعبٌ خُلق من خاصيةٍ نادرة: القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والمعاناة إلى هوية، والخذلان إلى دافعٍ للاستمرار.

ليست القضية هنا سردًا لمآسٍ متراكمة، بل فهمٌ لطبيعة البقاء. فحين يُعدم القائد، يولد في كل بيتٍ صوتٌ جديد. وحين تُهجَّر الملايين، تتحول الجبال إلى حضنٍ مؤقت، لا إلى قبر. وحين يُراد للذاكرة أن تُمحى، تُكتب من جديد، لا بالحبر، بل بالتجربة الحية.

وهكذا، لم يكن تاريخ الكورد سلسلةً من النهايات، بل سلسلةً من البدايات المؤجلة. من حبلٍ في ساحةٍ صغيرة، إلى طريقٍ طويلٍ في الجبال، تتكرر الحكاية بصيغةٍ واحدة: يمكن كسر الجسد، لكن لا يمكن كسر الإرادة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لم يجد له التاريخ جوابًا حتى الآن: كم مرةً يجب أن ينهض شعبٌ واحد، ليُدرك العالم أنه لم يسقط أصلًا ؟

قد يعجبك ايضا