الدرفش: راية النور وذاكرة الماء

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس الدرفش مجرد راية تُرفع، ولا رمزًا عابرًا في طقوس قديمة، بل هو امتدادٌ للنور في ذاكرة الماء، وصوتُ البداية الأولى حين كانت الحياة تكتب نفسها على ضفاف الأنهار. إنّه علامةٌ لا تُقرأ بالعين فقط، بل تُستشعر بالروح، حيث يتلاقى الطهر مع البساطة، والرمز مع المعنى.
في شكله، يبدو الدرفش بسيطًا: خشبةٌ تتقاطع، يلتفّ حولها قماشٌ أبيض، تتدلى منه خيوطٌ وأغصان. لكن في جوهره، هو أكثر من ذلك بكثير. إنّه صورةٌ مصغّرة للكون كما تراه الروح المندائية: توازنٌ بين العلو والسفل، بين الأرض والسماء، بين الماء الذي يمنح الحياة، والنور الذي يهديها.
الأبيض الذي يغلف الدرفش ليس لونًا فحسب، بل حالة… نقاءٌ يذكّر بأن الإنسان، مهما ابتعد، قادرٌ على العودة إلى صفائه الأول. والخشب المتقاطع ليس صدفة شكلية، بل رمزٌ للاستقامة والاتجاه، وكأن الدرفش يشير إلى طريقٍ لا يُرى إلا بالقلب.

وعلى ضفاف الأنهار، حيث يقام الطقس وتُغسل الأرواح بالماء الجاري، يقف الدرفش شاهدًا صامتًا، لا يتكلم، لكنه يقول كل شيء. هو الحاضر في لحظة التطهير، في الولادة الروحية، في العودة إلى الأصل. كلما رُفع، بدا كأنه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الخطأ والغفران، بين الظل والنور.
الدرفش لا يعلو ليعلن سلطة، ولا يُرفع ليفرض حضورًا، بل ليذكّر. يذكّر بأن الإنسان عابر، وأن ما يبقى هو النقاء الذي يحمله في داخله. يذكّر بأن الماء ليس فقط موردًا للحياة، بل مرآةً لها، وأن النور ليس فقط ضوءًا، بل معنىً يُهتدى به.
وفي زمنٍ تتزاحم فيه الرايات، وتعلو الشعارات، يبقى الدرفش مختلفًا… هادئًا، بسيطًا، لكنه عميق كالنهر الذي يقف عنده. لا يصرخ، لكنه يُنصت، ولا يفرض، بل يدعو. دعوةٌ إلى الصفاء، إلى العودة، إلى أن يرى الإنسان نفسه كما كان أول مرة: قريبًا من الماء، وقريبًا من النور.
الدرفش ليس مجرد رمز ديني، بل حكاية ممتدة عبر الزمن، تختزن ذاكرة شعبٍ وتمسكه بالحياة رغم كل التحولات. هو راية لا تُرفع في وجه أحد، بل تُرفع لأجل الإنسان نفسه… كي لا ينسى طريقه إلى النور.

قد يعجبك ايضا