بين الجبل والدرون.. من يفرض سيادته في ساحة المعركة؟

شيرزاد نايف/دهوك

في الحرب الحالية الحديثة، لم يعد الصراع مقتصرًا على الإنسان وسلاحه التقليدي، بل أصبح مواجهة مفتوحة بين الطبيعة والتكنولوجيا. يظهر هذا الصراع بوضوح في ثنائية، الجبل الصامت الصلب، والطائرة المسيّرة السريعة الذكية. فهل ما زالت الطبيعة قادرة على فرض تفوقها، أم أن التكنولوجيا حسمت المعركة؟
منذ فجر التاريخ، كانت الجبال حليفًا استراتيجيًا للمقاتلين. فهي توفر الارتفاع، والحماية، والسيطرة على الممرات، وتمنح من يعرفها ميزة لا تُشترى بالسلاح. في البيئات الجبلية، يصبح العدو مكشوفًا، وتتحول الطرق إلى مصائد، وتُفرض عليه معركة لا يختارها. لهذا كانت الجبال دائمًا بيئة مثالية لحروب الاستنزاف وحرب العصابات، حيث تتحول التضاريس إلى سلاح بحد ذاته.
لكن مع دخول الطائرات المسيّرة—مثل Bayraktar TB2—تغيرت قواعد اللعبة. لم تعد المرتفعات ضمانًا كاملاً للحماية، فالعين الإلكترونية تحلق فوق القمم، ترصد الحركة، وتحدد الأهداف بدقة، ثم تضرب دون إنذار. الدرون لا يتعب، لا يخطئ بسهولة، ولا يحتاج إلى وجود مباشر في ساحة القتال. وهنا، يبدو أن التكنولوجيا كسرت واحدة من أقدم قواعد الحرب: “من يسيطر على الأرض المرتفعة يسيطر على المعركة”.
غير أن الصورة ليست بهذه البساطة. فكما منحت التكنولوجيا ميزة للرصد والضرب، منحت الطبيعة أدوات للمقاومة والتخفي. الجبال، بتضاريسها المعقدة، تخلق “فوضى بصرية” تعيق الرصد، وتوفر كهوفًا وممرات خفية تقلل من فعالية الاستهداف. كما أن الظروف الجوية—كالضباب والثلوج—تضعف أداء الأنظمة البصرية والإلكترونية، وتعيد التوازن نسبيًا.
إضافة إلى ذلك، فإن الدرونات تعتمد بشكل كبير على الاتصال، والطاقة، وسلاسل الإمداد. أي خلل في هذه العناصر—تشويش، انقطاع، أو استنزاف—قد يحولها من سلاح حاسم إلى عبء. في المقابل، المقاتل الذي يتقن استخدام الأرض يمكنه القتال بإمكانيات أقل، لكنه بفعالية أعلى، مستفيدًا من كل صخرة ومنحدر.
إن الصراع بين الجبل والدرون ليس صراع تفوق مطلق، بل صراع تكيف. التكنولوجيا تفرض سرعة ودقة، بينما تفرض الطبيعة صبرًا وتعقيدًا. الدرون يربح في السماء المفتوحة، لكن الجبل يربح حين تُفرض معركة قريبة، غير مرئية، وغير متوقعة.
الدرس الأهم هو أن النصر لا يُحسم بعنصر واحد. الجيوش التي تعتمد على التكنولوجيا فقط قد تتفوق تكتيكيًا، لكنها تُستنزف إن لم تفهم الأرض. وفي المقابل، من يعتمد على الطبيعة فقط قد يصمد، لكنه يُكشف إن تجاهل تطور أدوات الرصد.
في النهاية، لا الجبل أقوى مطلقًا، ولا الدرون أقوى دائمًا. الأقوى هو من يعرف كيف يُسخّر كليهما: أن يرى بعين التكنولوجيا، ويختفي بروح الطبيعة.

قد يعجبك ايضا