ذياب مهدي ال غلام
“حينما يبزغ كوكب العظماء، يشرق نور علومهم خدمةً للإنسانية ولأوطانهم، بل إنهم يتركون في حنايا الروح بصماتٍ من نور، وفي عقول الأجيال دروباً من وعي.”
في غمرة الاحتفاء بميلاد الحزب الشيوعي العراقي، ذلك النهر الذي نهلنا من ضفافه قيم الحرية، أجدني مدفوعاً بحبٍ عتيق وتقديرٍ لا يحده زمن، لأهدي هذه الخاطرة إلى صديقي “الشيوعي المعتق” الذي طالما كان صوتاً للمحرومين، واليوم يشرق كصديقٍ للجميع وعنواناً شامخاً للوطن. أستذكر بكل فخر وإجلال قامةً علمية نذرت حياتها لفك شفرات النفس البشرية وتشريح الظواهر الاجتماعية بذكاء الباحث وقلب المناضل؛ إنه البروفيسور [قاسم بن حسين الصالح الشطراوي].
لقد كان الدكتور قاسم، ولا يزال -أمد الله في عمره ومنحه موفور الصحة- أكثر من مجرد أكاديمي يلقي دروساً؛ بل كان المعلّم والمربي، والمرشد الذي لم ينفصل يوماً عن وجع شعبه. بالنسبة له، لم تكن علوم النفس والاجتماع مجرد نظريات في بطون الكتب، بل كانت رسالة إنسانية سامية، وجسراً يعبر به نحو فهم أعمق لمعاناة الإنسان العراقي.
أمضى عقوداً في أروقة الجامعات ومراكز البحث، يغرس في نفوس تلاميذه قيم التحليل العلمي الرصين والتعاطف الإنساني. عرفناه باحثاً دؤوباً، لا يكتفي بظواهر الأمور، بل يغوص في الأسباب الكامنة وراء السلوكيات المعقدة، ساعياً لترميم ما أفسدته الصراعات في سيكولوجية المجتمع. تركت مؤلفاته وإشرافه العلمي في مجالات “علم النفس الاجتماعي” و”التحليل النفسي” أثراً لا يمحوه الزمن، مقتدياً بأعلى معايير المهنية، ومحولاً العلم إلى أداة للتغيير الاجتماعي والوقاية النفسية.
أما عن نبله وخصاله، فقد عُرف بإنسانيةٍ تسبق علمه. لم يفصل يوماً بين النظرية والتطبيق؛ فكانت بحوثه مرآةً تعكس تفهماً عميقاً للأزمات، وتواضعاً يُثبت أن “العلم رسالة لا فخر”. كان قلبه -قبل مكتبه- مفتوحاً لكل طالب ومستشير، معطاءً بلا حدود، كأنه نبع لا ينضب من الحكمة والمودة.
أيها البروفيسور والعالم النفساني النبيل..
هل تفي كلمات الوفاء بحقك؟ أعتقد لا.. فلا يفي حقك إلا صدق محبتنا ودعواتنا لك. إننا اليوم، إذ نستذكر مآثرك ونضالك الأكاديمي والوطني، نجدد العهد بأن نبقى على خطاك، حاملين الأمانة العلمية والإنسانية التي غرستها فينا بكل إخلاص. ستظل علمك وكلماتك الطيبة منارةً تضيء لنا الدرب، وستبقى أنت “العنوان” الذي يتسع بحجم العراق.
جزاك الله والوطن عن كل نفسٍ علمتها، وعن كل وعيٍ نشرته، خير الجزاء.
“فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”