بمسؤولية وطنية عالية وموقف سبّاق، مسرور بارزاني يبرهن: كوردستان ستبقى صمّام الأمان للعراقيين

بان الفيلي

على مدى سنوات، عانى العراق من أساليب الابتزاز السياسي وحالة الكرّ والفرّ التي انتهجتها بعض الأطراف، إلى جانب الإهمال الحكومي لمتطلبات الاستقرار والمصلحة العامة. وقد تحوّلت الثروات النفطية إلى رهينة بيد قوى متنفذة، استنزفت خيرات البلاد وأهدرت مواردها.

وفي وقت يترنّح فيه اقتصاد العراق على حافة الانهيار، وينشغل ساسة الحكومة الاتحادية بصراعاتهم العقيمة، تبرز الحلول من رجال الدولة الحقيقيين. وهنا تتجه الأنظار إلى قرار رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، بشأن استئناف تصدير النفط عبر أنبوب كوردستان إلى ميناء جيهان.

يمثّل هذا القرار مبادرة وطنية أخلاقية من طراز رفيع، تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتُسجَّل كبراءة ذمة أمام التاريخ. فهو يؤكد أن كوردستان، التي حُوربت في حقوقها الدستورية واستُخدمت معاناة شعبها كورقة ضغط سياسي، تعود اليوم لتفتح باب المسؤولية الوطنية مجددًا، وتسهم في إنقاذ العراق من أزمة اقتصادية خانقة عجزت الحكومة الاتحادية عن معالجتها.

لقد تحوّل المورد الذي استُخدم لسنوات أداةً للمساومة السياسية على حساب معاناة المواطنين الكورد، إلى طوق نجاة لجميع العراقيين.

ومن المهم هنا التذكير بجانب من سياسات التضييق الاقتصادي التي مورست بحق إقليم كوردستان، إذ أقدمت الحكومة الاتحادية في مارس/آذار 2016 على إيقاف ضخ النفط من حقول كركوك عبر أنبوب الإقليم، ما أدى إلى توقف نحو 150 ألف برميل يوميًا، مسببًا ضربة قاسية للاقتصاد المحلي. ولم تقتصر التداعيات على كوردستان وحدها، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العراقي وسوق النفط بشكل عام، ومع ذلك استمر قرار منع الإقليم من تصدير النفط.

إضافة إلى ذلك، فُرضت قيود على وصول الدولار إلى تجّار الإقليم، ففي الوقت الذي كانت فيه بغداد تصدّر ملايين البراميل وتدعم خزائنها بالعملة الصعبة، حُرم تجار الأدوية والمواد الغذائية في أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي لتأمين الاحتياجات الأساسية.

وفي جانب آخر، وبينما كان موظفو بغداد والبصرة والأنبار يتقاضون رواتبهم بانتظام، كان المواطن الكوردي يُجبر على الانتظار والاحتجاج للحصول على مستحقاته القانونية، التي حُجبت عنه بذريعة الخلافات السياسية. بل إن رواتب موظفي الموصل لم تُقطع حتى خلال فترة سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على المدينة.

ومع تصاعد التوتر بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، يجدر التذكير بتحذيرات أطلقها أحد خبراء الشأن النفطي في الإقليم عام 2025، حيث أشار إلى أن موازنة العراق لعامي 2023–2024، رغم تجاوزها 150 مليار دولار، كانت تعاني عجزًا كبيرًا يُقدّر بنحو 49 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الموازنة. ورغم ذلك، لم تُتخذ خطوات جادة لمعالجة العجز، بل تم إيقاف تصدير نفط كوردستان بقرار سياسي غير مدروس.

كما حذّر الخبير من تهديدات محتملة قد تعطل صادرات النفط العراقية بالكامل، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، ومنها التهديد بإغلاق مضيق هرمز.

وبالفعل، تسارعت الأحداث بشكل دراماتيكي، لتجد الحكومة الاتحادية نفسها مضطرة إلى العودة للإقليم وطلب التعاون لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان، في تحوّل سياسي لافت فرضته المتغيرات.

لقد كشفت هذه التطورات حجم الخلل في إدارة الملف الاقتصادي، وأظهرت أن السياسات القائمة على الإقصاء لا يمكن أن تؤسس لدولة مستقرة. كما أنها تقوّض مبدأ المواطنة المتساوية، وتتناقض مع شعارات الوحدة الوطنية التي تُرفع في الخطاب الرسمي.

ومع ذلك، يأتي قرار رئيس حكومة إقليم كوردستان ليحمل رسالة مختلفة، مفادها أن القيم الإنسانية والسياسية النبيلة ما تزال حاضرة. فكوردستان، التي كانت على الدوام ملاذًا آمنًا لكل من ضاقت به السبل، تؤكد مجددًا التزامها بدورها الإنساني والوطني.

إن موقف مسرور بارزاني لا يمثّل مجرد قرار اقتصادي، بل يعكس نهجًا قائمًا على تغليب العقل والمصلحة العليا، بعيدًا عن الانفعالات والمناكفات السياسية. وهو دليل على أن الإدارة الحكيمة قادرة على تجاوز الأزمات، وصون حقوق المواطنين، والمضي نحو تحقيق الاستقرار والإزدهار.

قد يعجبك ايضا