ازاد صالح نادراغا الراوندوزی
استاذ جامعي – مختص بادارة الاعمال
يُقال إن الوطن هو “الحضن”، ولكن بالنسبة لـ الكوردي في العراق، غالباً ما يبدو هذا الحضن كفخٍّ أو قفص ضيق. عندما تتحول الأرض التي من المفترض أن تكون ملاذاً للكرامة إلى ميدان للحرمان والعقاب الجماعي، يبرز هنا سؤال جوهري: أيُّ حضن هذا الذي لا يتسع لأبنائه؟
وطنٌ بشرط “التهميش”
بالنسبة لـ الكورد، ليس الوطن في العراق مجرد مفهوم جغرافي، بل هو تاريخ حافل بالصراعات. عندما تنظر الدولة إلى هويتك القومية كـ “تهديد” بدلاً من كونها “ثروة”، يبدأ ذلك الحضن بالاعتصار والضغط عليك. هنا يتحول الوطن إلى مكان تُستغل فيه حقوقك الأساسية (مثل الموازنة، الرواتب، والاستقرار الأمني) كأدوات للضغط السياسي. هذا ليس وطناً، بل هو نوع من “الحصار النفسي والمالي” الذي يشعر فيه المواطن بأنه ضيف غير مرغوب فيه داخل منزله.

الاغتراب السياسي واختناق الأمل
عندما يرى شاب كوردي أن عاصمة بلاده (بغداد)، وبدلاً من أن تكون مركزاً للقرارات الوطنية، تصبح مصدراً لقطع قوت معيشته، فإن شعور “الانتماء” يموت في داخله. الاغتراب هنا ليس مجرد ابتعاد عن اللغة، بل هو يأسٌ من نظام لا يستطيع التعامل معك كـ “مواطن من الدرجة الأولى”. عندما تصبح رواتب الناس ومعيشتهم رهينة بيد الميليشيات والصراعات الطائفية، ينتهي الوطن كـ “حضن” ويبدأ كـ “عبء ثقيل”.
لماذا تصبح الهجرة هي المخرج الوحيد؟
إن الإجابة على سؤال “أيُّ حضن هذا؟” تتجلى في قوافل الهجرة التي لا تنتهي والمتجهة نحو أوروبا. الكوردي يترك وطنه لأن الفضاء المتبقي له أصبح ضيقاً جداً. عندما يرى الشاب أن أفق مستقبله في العراق محاصر بين “الحروب الداخلية، هيمنة الميليشيات، والمستقبل المجهول”، يضطر لترك الوطن كمجرد ذكرى في قلبه، ويرحل بجسده نحو مكان يُحفظ فيه “معنى الإنسانية” على أقل تقدير.
الخاتمة: وطنٌ على الخريطة فقط
يصبح الوطن حضناً حقيقياً عندما تتحقق فيه العدالة. وبدون العدالة، يظل العراق بالنسبة لـ الكورد مجرد إطار إجباري على الخريطة. الوطن الحقيقي هو الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى إخفاء “هويته القومية” أو التضحية بها من أجل الخبز والأمان.
طالما لم يتعلم هذا “الحضن” كيف يحترم التعددية وحقوق الآخر، سيظل ضيقاً، وسيبقى أبناؤه إما يختنقون في داخله، أو يهربون نحو الغربة.