حول رسالة الرئيس مسعود بارزاني والهجمات المتكررة على كوردستان

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*

في توقيتٍ بالغ الحساسية، جاءت رسالة السيد مسعود بارزاني لتضع النقاط على الحروف، وتكشف حقيقةً لم تعد قابلة للتجاهل أو التأويل: كوردستان تتعرض منذ سنوات لهجمات ممنهجة ومتكررة، بينما يكتفي الكثيرون ببيانات الإدانة التي لم تعد تُقنع أحداً، ولم تعد تحمي أحداً.
إن قراءة متأنية لمضمون الرسالة تُظهر أن القضية لم تعد حادثةً عابرة أو خرقاً أمنياً عابراً، بل أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد الأمن والاستقرار وتقوّض فكرة الدولة وسيادة القانون. فحين تتجاوز الهجمات حاجز المئات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتصل إلى استهداف منازل القيادات، فإننا أمام مرحلة جديدة من التحدي الأمني والسياسي، مرحلةٍ لا يمكن التعامل معها بمنطق المجاملة أو الصمت.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: كوردستان لم تكن يوماً مصدر توتر أو ساحة صراع، بل كانت خلال سنوات الفوضى ملاذاً للاستقرار ومثالاً للتعايش والسلم الأهلي. ولهذا فإن استهدافها المتكرر لا يمكن تفسيره إلا بوصفه استهدافاً للاستقرار نفسه، ومحاولة لزعزعة منطقة تمثل نموذجاً للأمن وسط بحرٍ من الأزمات.
الرسالة حملت أيضاً نقطة مفصلية غاية في الأهمية، وهي أن زمن الاكتفاء بالإدانات واللجان والاتصالات قد انتهى. فالدول لا تُحمى بالبيانات، والسيادة لا تُصان بالكلمات، وأرواح المواطنين لا تُصان بالتصريحات. المطلوب اليوم موقفٌ حازم يضع حداً للجماعات الخارجة عن القانون التي باتت تتصرف وكأنها فوق الدولة وفوق الدستور.
إن استمرار هذا الواقع يضع الدولة أمام اختبار تاريخي حقيقي:
إما فرض هيبة القانون وحماية جميع المواطنين دون تمييز، أو الإقرار بالعجز عن منع الاعتداءات المتكررة. ولا يوجد خيار ثالث بين هذين الطريقين.
ومن زاوية أعمق، فإن استهداف كوردستان ليس قضية جغرافية أو سياسية فحسب، بل قضية أمن وطني شامل؛ لأن أي اعتداءٍ يُسمح به في جزءٍ من الوطن اليوم، قد يتكرر في أجزاء أخرى غداً. فالأمن لا يتجزأ، والاستقرار لا يُقسم، والسكوت عن الخطر في بدايته هو ما يجعله يتضخم لاحقاً.
ومع ذلك، تبقى الرسالة الأهم التي يجب التوقف عندها هي إرادة شعب كوردستان. هذه الإرادة التي صمدت أمام الحروب والحصار والإرهاب، لن تكسرها طائرات مسيّرة ولا صواريخ عابرة. فالتاريخ يثبت أن الشعوب التي اختارت طريق السلام والاستقرار لا يمكن أن تُرهبها الاعتداءات، بل تزيدها تمسكاً بحقها في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار.
إن المرحلة الحالية تتطلب وضوحاً وشجاعة في اتخاذ القرار، لأن حماية الأمن ليست خياراً سياسياً، بل واجب وطني وأخلاقي. وكل تأخير في الحسم هو ثمنٌ يدفعه الأبرياء من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم.
ختاماً، إن حماية كوردستان ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية دولة بأكملها. فحين يُحمى الاستقرار، تُحمى الدولة، وحين يُفرض القانون، ينتصر الجميع.

*امام وخطيب

قد يعجبك ايضا