أنطولوجيا التفاهة ( انكشاف العدم في أفق العمق )

سمير السوره ميري

ما بين، الجدّ والهزل، والتعظيم والإبتذال، والعمق والسطحية، والمعرفة والجهل، والجودة والرداءة، والرصانة والحماقة، والعقل والغباء، والرزانة والطيش، والحق والباطل، والحِلم والسفاهة، والصمت والثرثرة … تتجلى التفاهة.
إن الدوران في سطحية المعاني يعيق الحلول الجدية، وينشأ عن فراغ فكري قاحل، فالتفاهة سلوك وهمي سقيم، وحالة إنحسار للمعنى في الوعي، تفقده صلته بالحقيقة، إنها توهّمٌ زائفٌ يتلبس مركز الإدراك، فيغدو حضورا مزيفا، ينذر الفكر والوعي الجمعي بالخطر.
وعلى إمتداد الزمن حين تتجذر التفاهة وتؤثر في الجماعة، تتحول إلى ناقوس إنذار بالإنهيار والإنحلال، وهذا ما يحدث في المجتمعات التي تغلق آفاقها الفكرية بسواتر العزلة، فيأتي الخراب لا محالة، حين يتحول الفكر من وعي إلى إملائي عقيم.
وعندها تظهر علامات الإضطراب الفكري في المجتمع، إذ تصبح التفاهة ثقافة عامة، وتضيع القلة التي تظن نفسها محصنة بانكفائها، وهي في الحقيقة لاتقل إسهاما في ازدهار التفاهة، وهنا يبدأ سقوط المجتمعات في براثنها.
ومن أوائل أعراض هذا السقوط إضمحلال الهوية، وإستباحة مقدّرات المجتمع للمجهول، وانهيار الوعي الجمعي، فيغدو الهدف لقمةٌ لا تُغني ولا تُشبع، ودواءٌ لا يمنع الموت، وإنتظارا سلبيا لنهاية باردة، وهكذا يُنخر الوعي، وتنقاد المجتمعات إلى الإنحلال والتفكك، بل وتستجدي هذا التفكك، بوعيها التافه، طلبا لخلاص موهوم.
لقد رأت هانا آرندت أن أخطر الأفعال قد تصدر عن أشخاص “لا يفكرون بعمق، بل يطيعون دون وعي”، فالتفاهة هنا ليست غباء، بل غياب للتفكير النقدي، ويرى فريدريش نيتشه التفاهة “حياة بلا إرادة ولا إبداع”، بينما يصفها جان بودريار بأنها: “إستبدال الحقيقة بالمظهر، والعيش داخل وهم مُصنَّع”، وأما غي ديبور فيراها: “حين يتحول الإنسان إلى متفرج، بدل أن يكون فاعلًا”.
وعليه فالتفاهة عند الفلاسفة: “حالة يفقد فيها الإنسان قدرته على إنتاج المعنى، فيعيش على سطح الأشياء بدل الغوص في جوهرها”.
إن خطورة التفاهة تتعاظم حين تتحول من ظاهرة فردية معوقة إلى ظاهرة جماعية تُكافأ وتُغذَّى من قبل عقول سطحية مؤثرة، فتغدو طريقا حتميا إلى تفكك المجتمع وتآكل الوطن.

قد يعجبك ايضا