فينوس بابان
مع اقتراب المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السادس من نيسان، لم يعد الحديث عن مجرد توقيت بل عن ذروة استراتيجية لمواجهة شاملة بدأت شرارتها منذ الهجمات المشتركة في 28 شباط الماضي إن صدقية هذه المهلة التي جاءت كاستجابة لطلب إيراني بـ هدنة تقنية تُقرأ عسكرياً كـ فخ استراتيجي حيث استغلها البنتاغون لاستكمال أضخم تحشيد عسكري منذ عقود شمل نشر مجموعات القتال الضارقة لحاملتي الطائرات (USS Gerald R. Ford) و (USS Abraham Lincoln) وفي المقابل انتقلت طهران إلى الاستنفار الوجودي مهددة بحرب ممرات شاملة واستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة إذا نُفذ التهديد الأمريكي بضرب منشآتها النفطية أما إسرائيل فهي المحرك الأكثر حدة في هذا المشهد، إذ ترى في 6 نيسان فرصة تاريخية لتنفيذ عقيدتها في قص العشب وتحويل الردع إلى تفكيك كلي للقدرات الاستراتيجية المجاورة، مما يضع العراق جغرافياً ودستورياً في قلب كماشة لا ترحم بين طموح واشنطن في تأمين الأرض وإصرار تل أبيب على تغيير قواعد اللعبة الإقليمية بالبارود في هذا الغليان تتكشف أبعاد استراتيجية الانكشاف، فالتأجيل أتاح استكمال نشر منظومات التعقب الاستخباري (ISR) المتطورة فوق الممرات الحيوية وتؤكد التقارير الفنية رصد حركة غير مسبوقة لطائرات الشحن الاستراتيجي من طراز (C-17 Globemaster) التي أفرغت حمولات نوعية في العقد اللوجستية الحدودية شملت معدات دعم فني ووحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً بالتزامن مع تلويح بـ إعدام رقمي قد يطال السيادة التقنية والأنظمة المصرفية عبر عقود تكنولوجية خانقة إن المؤشرات الميدانية تشير إلى أن ما بعد 6 نيسان لن يكون مجرد قصف جوي بل قد يمتد لعملية كي جراحي بري والمقصود هنا هو سيطرة قوات نخبوية على طرق التجارة الدولية والمدن الحدودية لتطهيرها من مسارات الإمداد التي تعتبرها واشنطن وتل أبيب ثقوباً سوداء تهدد أمن المنطقة، مما قد يحول مناطق شاسعة إلى ساحة مواجهة مباشرة وجهاً لوجه.
وفي قلب هذا الإعصار جاءت كلمات رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان لتحدث زلزالاً قانونياً سيغير موازين الاشتباك فبتحليل عمق قوله بأن انفراد الفصائل بقرار الحرب هو انتهاك للدستور نجد أنه فعّل عملياً المواد (110/أولاً) والمادة (9/أولاً/ب) فهو باستحضاره للمادة (110/أولاً) يؤكد أن الحكومة الاتحادية هي الجهة الوحيدة المختصة رسمياً برسم السياسات الأمنية الخارجية والوطنية وما انفراد الفصائل بقرار الحرب إلا إعلان بوجود دولة موازية صادرت القرار السيادي مما يمنح القوى الدولية الذريعة للتعامل مع هذه الأطراف ككيانات خارجة عن القانون لغياب السيطرة المركزية. أما تفعيله للمادة (9/أولاً/ب) التي تحظر صراحة تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة فهو بمثابة القنبلة القانونية التي ترفع الحصانة السيادية فالتوصيف القضائي للسلاح المنفلت بأنه غير دستوري يمنح واشنطن الضوء الأخضر لشرعنة ضرباتها أمام المجتمع الدولي كحماية للمسار الدستوري للدولة هذا التوصيف ليس مجرد عتاب قضائي بل هو إعلان عجز سيادي رسمي ففي العرف الدولي عندما يقر القضاء الأعلى بوجود سلاح مُنتهك للدستور يعجز المركز عن ضبطه فإنه يرفع الحصانة السيادية عن تلك الجهات ويمنح القوى الدولية الذريعة القانونية للتحرك تحت لافتة حماية المسار الدستوري للدولة محولاً الأراضي المربكة أمنياً من ساحة صراع إلى منطقة عمليات تطهير دولية مغطاة باعتراف قضائي داخلي بخلل السيادة.
إن الأرقام تعكس فداحة الموقف فالعراق يواجه شللاً في الصادرات أدى لخسارة تقدر بـ 130 إلى 150 مليون دولار يومياً مع قفزة في كلفة التأمين بنسبة 40% هذا النزيف المتزامن مع تزايد حضور قوات المهام الخاصة في نقاط الارتكاز الاستراتيجية يشير إلى أن تحركاً برياً محدوداً بات الخيار الأقرب لقطع الشرايين الإقليمية غير المنضبطة إن الخطر يمتد لـ السكتة المعيشية حيث سجلت الأسواق ارتفاعاً في كلفة الغذاء بنسبة 22% مع احتمالات فرض عزلة رقمية تعطل النظام المصرفي والخدمات الأساسية مما يضع الشارع أمام تهديد المجاعة الأمنية وعجز موازنة قد يصل لـ 45 تريليون دينار وهي المؤشرات التي شخّص القاضي زيدان عجز الدولة عن معالجتها نتيجة فقدان احتراق القوة (Monopoly of Force).
وسط هذا التصدع يبرز إقليم كوردستان ليس كطرف سياسي فحسب بل كـ القلعة السيادية الحصينة والنموذج الذي يبرهن أن حب الأرض والتمسك بالسلام هما أقوى الدروع إن هيبة الإقليم مستمدة من قدرته على تحويل المادة (121) إلى واقع معاش يحمي كرامة الإنسان فبنت المؤسسات في أربيل اقتصاداً غازياً بحجم استثمارات يتجاوز 28 مليار دولار وفتحت أبوابها كواحة للأمان والتعايش مع الحفاظ على بنية تحتية رقمية رصينة بعيدة عن التجاذبات إن تلاحم الشارع الكوردستاني خلف قيادته وقوات البيشمركة يمثل عقيدة بقاء ترفض الانجرار لمشاريع الهدم وتتمسك بالدولة وبناء الإنسان، مؤكدة أن السيادة الحقيقية ليست شعارات بل هي استقرار ورخاء وقانون يحمي المواطن من تقلبات الصراعات الكبرى.
إن السادس من نيسان يمثل نقطة اللاعودة في هندسة الجغرافيا السياسية للعراق فالقراءة التحليلية للمشهد تشير إلى أن الاستمرار في حالة التشظي السيادي سيؤدي حتماً إلى شرعنة التدخل البري الأجنبي تحت غطاء حماية الممرات الدولية، وهو ما حذرت منه ضمناً مسطرة القاضي فائق زيدان الدستورية إن المسؤولية التاريخية تملي على صانع القرار تبني بروتوكول نجاة فوري يرتكز على ثلاث ركائز أولاً، استعادة وحدة القرار الأمني وتجريد أي تحرك خارج إطار الدولة من غطائه السياسي فوراً. ثانياً، تعميم نموذج إقليم كوردستان في الإدارة المؤسساتية والالتزام بالدستور كمرجعية عليا لتوحيد المكونات وحماية الهوية الوطنية من الذوبان في الأجندات الإقليمية. وثالثاً، الاستثمار في الحصانة الرقمية لمواجهة سلاح العزلة التكنولوجية القادم، إن قوة العراق لا تكمن في كونه ساحة لتصفية الحسابات بل في قدرته على الانكفاء نحو الداخل الدستوري وبناء تلاحم عضوي ينهي عهد السيادة المخترقة.
فإما أن يستعيد العراق هيبته من الداخل عبر الالتزام بنصوص الدستور التي شهرها القاضي زيدان أو أن يترك فراغ السيادة ليملأه مبضع الجراح الأجنبي الذي لن يكتفي بالجراحة بل قد يعيد رسم الخارطة بالكامل فبينما يظل نموذج كوردستان هو الدليل الميداني والبوصلة التي تحمي كرامة المواطن من البصرة إلى زاخو، يظل السؤال معلقاً فوق بغداد هل نختار الدولة قبل أن تختارنا نيران نيسان؟ إن السيادة لا تُستجدى بالبيانات بل تُنتزع بفرض القانون وقبل فوات الأوان يبقى التمسك بالأرض والقانون هو خيار النجاة الوحيد.