عرفان الداوودي
في المشهد الأخير داخل مجلس النواب العراقي، لم يكن الخلاف يدور حول بنود أو أرقام أو حتى تفسيرات قانونية، بل انكشف خلل أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي وحدود الالتزام بروح الدستور. ما جرى لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل تجلٍ واضح لصراع بين منطق الشراكة الدستورية ومنطق التفرد والإخضاع.
إن ما صدر عن النائب بهاء الأعرجي لا يمكن عزله عن سياق أوسع، حيث تتصاعد في الآونة الأخيرة نبرة خطابية تحاول إعادة تعريف العلاقة بين المركز وإقليم كوردستان خارج الأطر التي رسمها الدستور. هذا الخطاب لم يكتفِ بتجاوز النصوص، بل اتخذ طابعًا إقصائيًا، يحمل في مضمونه نزعة واضحة نحو إعادة إنتاج مركزية القرار، وكأن التجربة الفدرالية في العراق كانت خطأً ينبغي تصحيحه، لا خيارًا دستوريًا أُقر بإرادة العراقيين.
المشكلة لا تكمن فقط في مضمون التصريحات، بل في الأسلوب الذي طُرحت به، حيث طغت لغة التهديد والتقليل من الآخر على لغة الحوار القانوني. إن البرلمان، بوصفه أعلى سلطة تشريعية، يفترض أن يكون ساحة للنقاش الرصين، لا منصة لفرض الإرادات أو استعراض القوة السياسية. وعندما تتحول قبة البرلمان إلى فضاء للخطاب المتشنج، فإن ذلك يعكس تراجعًا خطيرًا في الممارسة الديمقراطية.
إن توصيف إقليم كوردستان أو التقليل من مؤسساته لا يمكن اعتباره رأيًا سياسيًا عابرًا، بل هو خرق صريح للإطار الدستوري. فالمادة (117) من الدستور العراقي تعترف بالإقليم ككيان اتحادي، فيما تمنحه المادة (121) صلاحيات واضحة ضمن نظام فدرالي قائم على توزيع السلطات، لا احتكارها. وعليه، فإن أي خطاب يتجاهل هذه الحقائق لا يمثل اجتهادًا سياسيًا، بل انحرافًا عن الأساس القانوني الذي يُفترض أن يحتكم إليه الجميع.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن ضعف الردود داخل البرلمان، خاصة من بعض النواب المعنيين، ساهم في تمرير هذا النوع من الخطاب دون مواجهة دستورية حقيقية. فالعمل البرلماني لا يقوم فقط على الحضور، بل على الفاعلية في استخدام الأدوات القانونية المتاحة، من نقاط النظام إلى تثبيت الاعتراضات الرسمية، بما يحفظ التوازن داخل المؤسسة التشريعية.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن في حادثة بعينها، بل في تكريسه لنهج سياسي قائم على فرض الإرادة بدلاً من التوافق. فالديمقراطية لا تُقاس بوجود مؤسسات شكلية، بل بمدى التزام هذه المؤسسات بروح الدستور، واحترامها للتعددية التي يقوم عليها النظام السياسي.
وعلى مستوى أوسع، فإن العراق لا يحتمل العودة إلى أنماط الحكم المركزي التي أثبتت فشلها، ولا إلى خطابات تستفز مكوناته وتُعيد إنتاج الأزمات. إن قوة الدولة تكمن في قدرتها على إدارة التنوع، لا في محاولة إخضاعه. والفدرالية ليست امتيازًا لطرف، بل ضمانة للجميع.
إن المطلوب اليوم ليس فقط تهدئة الخطاب، بل إعادة ضبطه وفق معايير دستورية واضحة، تُلزم الجميع باحترام حدودهم وصلاحياتهم. كما تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية لرئاسة مجلس النواب في ضبط الجلسات، ومنع أي انزلاق نحو خطاب التهديد أو الإقصاء، حفاظًا على هيبة المؤسسة التشريعية.
وفي الختام، فإن ما جرى يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الطبقة السياسية بالدستور، ليس كنص مكتوب، بل كمرجعية حاكمة للسلوك السياسي. فالدول لا تُدار بالانفعالات، ولا تُبنى بالخطابات المتشنجة، بل تُرسخ عبر احترام القانون، وتغليب منطق الشراكة على نزعات الهيمنة. ومن يعجز عن استيعاب هذه الحقيقة، إنما يضع نفسه خارج إطار الدولة، لا فوقها.