هندسة الفوضى : من سايكس بيكو إلى خنق التنين.. قراءة في “المسودة الكبرى” للشرق الأوسط!

محمد قفطان

​لا يتحرك التاريخ في هذه البقعة من العالم عبثاً، ولا تسقط الأنظمة أو تشتعل الثورات بمحض الصدفة! ثمة قانون ثابت في الديناميكية السياسية يقول: “إن لم تمتلك خطة لنفسك، فأنت حتماً جزء من خطة غيرك”. لقد أدركت الماكنة الغربية هذه الحقيقة مبكراً، فصاغت للشرق الأوسط قدراً اصطناعياً بدأ كخرائط على ورق وانتهى كصراعات على الوجود.

لذا هذه​ قراءة في مفاصل التحول الذي جعل من منطقتنا ساحة لتصفية الحسابات العالمية.

​ الميراث المسموم – الصراع من الغرب إلى الشرق :
​بعد ان وضعت الحرب العالمية أوزارها، أدركت القوى الرأسمالية والحكومات العميقة أن استمرار الصراع داخل القارة الأوروبية انتحار جماعي! كان لا بد من نقل “ميدان المعركة” إلى مناطق الموارد، فبدأت عملية جراحية كبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ. لم يكن الهدف مجرد تقسيم تركة “الرجل المريض” (الدولة العثمانية)، بل كان وضع حجر الأساس لمشروع “الشرق الأوسط الجديد”، منطقة مشلولة ذاتياً، لكنها حيوية عالمياً، تُدار بالوكالة لخدمة تدفق النفط ورأس المال.

Screenshot

​ لعبة الأيدولوجيا – من المطرقة والمنجل إلى عباءة القومية :
​مع أفول الخلافة في عام 1924، برزت الأنظمة الجمهورية كبديل للملكيات التقليدية، هنا، استشرى الفكر الشيوعي كمهدد للمصالح الغربية، فما كان من الغرب إلا أن استخدم “سلاح الضد”. في الفترة ما بين الخمسينيات والستينيات، تم دعم المد القومي وصعود العسكر لمواجهة “الخطر الأحمر”، قامت هذه الأنظمة على ثنائية (الوطنية والأدلجة الدينية الموجهة)، فتم شيطنة الشيوعيين وتكفيرهم عبر منابر المساجد وصفحات الجرائد، حتى تآكل الفكر اليساري تماماً، مفسحاً المجال لهوية قومية صلبة بدأت لاحقاً تقلق الغرب نفسه.

​3. الانقلاب على القومية – الاستثمار في “العابر للحدود” :
​حين بدأ القوميون (مثل حزب البعث والناصرية) يتحدثون عن الوحدة العربية والسيادة على الموارد، استشعر الغرب الخطر، كان الحل هو تفتيت “الهوية الوطنية” لصالح “الهوية الأممية”، تم دعم تيارات الإسلام السياسي والجماعات العابرة للحدود لتكون الخنجر في خاصرة الدولة القومية! استُبدل الانتماء للأرض بالانتماء للمذهب أو الفكرة الحاكمية، مما أدخل المنطقة في نفق “صراع الهويات” الذي قضى على حلم الوحدة الوطنية بشكل شبه نهائي.

​”إسرائيل” والنزيف المستدام :
​لم تكن زراعة الكيان الصهيوني عام 1948 مجرد تلبية لوعود سياسية، بل كان استزراعاً لـ “ثقب أسود” يمتص طاقات المنطقة. وجود إسرائيل خلق حالة من “الفوضى المنظمة”، صراع عِرقي، قومي، ومذهبي لا ينتهي. منذ حروب 1948 و 1967 وصولاً إلى الاجتياحات والحروب الاستنزافية اليوم، تحول هذا الكيان إلى مسمار جحا الذي يبرر التدخل العسكري الدائم ويبقي المنطقة في حالة تأهب وإنفاق عسكري يستنزف ثرواتها الديموغرافية والمالية.

​الصراع مع إيران – بركان قديم بوقود حديث :
​إن المواجهة الحالية مع إيران ليست وليدة اللحظة، بل هي فصل مؤجل منذ تقسيم خرائط الموارد في العالم القديم. إيران، بموقعها الجيوسياسي، تمثل القنطرة بين الشرق الأقصى وقلب العالم، لذا، فإن تحجيمها أو الصدام معها هو جزء من استراتيجية منع أي قوة إقليمية من الهيمنة على مضيق هرمز أو خطوط الإمداد، وهو ما وصلنا إليه اليوم من ذروة الصدام الذي يخلط الأوراق الدينية بالسياسية.

​الغاية النهائية – خنق “التنين” في مياه الشرق :
​لماذا كل هذا الحرق للمنطقة؟ الإجابة تكمن بعيداً في بكين.
الشرق الأوسط هو العصب الحيوي لمشروع “الحزام والطريق” الصيني. إن “التنين الصيني” الذي ينمو بمعدلات مرعبة يحتاج إلى شرايين طاقة وممرات برية وبحرية آمنة. الخطة الغربية تقتضي تحويل هذه الممرات (العراق، سوريا، لبنان، واليمن) إلى “مناطق محروقة” أو “ساحات غير مستقرة”.
الغاية ليست نحن، بل الصين! عزل الموارد عن الماكينة الصينية هو الوسيلة الوحيدة لمنعها من التهام النظام الرأسمالي الغربي. إنهم ينفذون “جيوبوليتيك الخنق”، حيث يُقتل الشرق الأوسط ليموت التنين جوعاً.

​المستقبل- هل ينتقل السيناريو إلى حدود الصين؟

​السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سنرى “شرق أوسط جديد” في آسيا الوسطى؟ طاجيكستان، أفغانستان، وقرغيزستان مرشحة لتكون المسرح القادم، استنساخ سيناريو الجماعات المسلحة واستنزاف الأنظمة بشرياً ومادياً على حدود الصين هو الخيار الأقل كلفة للغرب، إن تحويل جوار الصين إلى بؤر توتر دائمة سيجبر بكين على الانكفاء للداخل لمعالجة حرائق حدودها بدلاً من التمدد العالمي.

​الخلاصة:
نحن نعيش في ظل مشروع كُتبت مسوداته منذ مئة عام، ويُنقح اليوم بالدم والنار، الصراع ليس على “طريقة عبادة” أو “رسم حدود”، بل هو صراع بقاء لمن يسيطر على محركات القرن الحادي والعشرين، والمستقبل، كما يبدو، لا يعترف إلا بالقوي الذي يمتلك الخارطة، لا الذي يكتفي بكونه رقماً فيها.

قد يعجبك ايضا