لماذا فشل العراق في إنتاج طبقة سياسية رصينة

نبيل عبد الأمير الربيعي

منذ عام 2003م، دخل العراق مرحلة تاريخية جديدة، كان يُفترض أن تفتح الأبواب أمام تشكل نخبة سياسية حديثة، تستند إلى الكفاءة، تؤسس لدولة مؤسسات وقانون. غير أن ما حدث فعلياً كان مغايراً لهذا الأمل؛ إذ برزت طبقة سياسية واسعة الحضور، محدودة التأثير، تفتقر في أغلبها إلى مقومات (النخبة) بالمعنى العميق للكلمة. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل أخفق العراق في إنتاج نخبة، أم أن النظام السياسي ذاته حال دون ولادتها؟
لا يمكن فهم المشهد السياسي بعد عام 2003م دون العودة إلى ما قبله. ففي ظل نظام صدام حسين، جرى تفريغ المجال السياسي من أي تعددية حقيقية، إذ تمت ملاحقة أو تصفية معظم الكفاءات المستقلة. هكذا، لم يرث العراق دولة ضعيفة فحسب، بل مجتمعاً سياسياً مشلولاً، يفتقر إلى التراكم الطبيعي للنخب.
عندما عادت نخب المنفى وإشكالية الانفصال بعد عام 2003م إلى العراق بعد التغيير كقوى سياسية كونها عاشت طويلاً خارج البلاد، حاملة معها تجارب منفى ورؤى مشروطة بظروف الخارج. هذه القوى، رغم تضحياتها، لم تكن مندمجة تماماً في الواقع الاجتماعي العراقي، فغلبت على خطابها شرعية الماضي، بدل أن تؤسس لشرعية الإنجاز. هكذا، تشكلت قيادة سياسية، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى نخبة وطنية جامعة.
فضلاً عن ذلك اعتمد النظام السياسي الجديد على مبدأ تقاسم السلطة وفق الانتماءات الطائفية والقومية، هو ما عُرف بـ(المحاصصة). هذا النمط لم يكن مجرد آلية تنظيمية، بل تحول إلى بنية عميقة تعيد إنتاج نفسها، حيث يقدم الولاء على الكفاءة، والانتماء على الخبرة. في ظل هذه المعادلة، يصبح صعود النخب المستقلة أمراً استثنائياً، إن لم يكن مستحيلاً.
لذلك أصبحت الدولة بين نفوذين، إذ لم يتشكل القرار السياسي العراقي في فراغ، بل تحت تأثير قوى خارجية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة وإيران. هذا التداخل أضعف استقلالية القرار الوطني، ربط كثيراً من الفاعلين السياسيين بمحاور خارجية، الأمر الذي أعاق نشوء نخبة ذات مشروع سيادي واضح.
في ظل ضعف مؤسسات الدولة، برزت قوى غير تقليدية، من فصائل مسلحة إلى شبكات نفوذ اقتصادي، تنافس الدولة على سلطتها. هذا الواقع خلق بيئة طاردة للنخب المدنية، إذ لم يعد الصعود السياسي مرهونًا بالكفاءة أو البرنامج، بل بامتلاك أدوات القوة أو الارتباط بها.
بالإضافة إلى ذلك لا يمكن أن تنفصل النخبة عن بيئتها الاجتماعية. ففي مجتمع يعاني من ضعف الثقة بالمؤسسات ويميل إلى الزعامات التقليدية، تصبح فرص النخب الحديثة محدودة. كما أن الخطاب التعبوي، القائم على الهوية والانفعال، غالباً ما يطغى على الخطاب العقلاني القائم على البرامج.
فالنخبة لا تتشكل في الفراغ، بل تنبثق من مشروع جامع. في العراق بعد 2003م، ظل الصراع في معظمه صراعاً على السلطة، لا على بناء الدولة. مع غياب رؤية وطنية واضحة، تراجع دور الفكر السياسي وصعدت بدلاً منه حسابات النفوذ والمكاسب.
إن أزمة النخبة في العراق ليست نقصاً في الكفاءات، بل خللاً في البيئة التي يُفترض أن تنتجها. فالنظام السياسي، كما تشكل بعد 2003م، لم يكن حاضنة للنخب بقدر ما كان معيقاً لها. لهذا، فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي لا بد أن يبدأ من إعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية نفسها، لا الاكتفاء بتغيير اللاعبين. فالعراق لا يفتقر إلى العقول، بل إلى نظام يُتيح لها أن تكون نخبة.

قد يعجبك ايضا