نهاد القاضي
في الجلسة الأخيرة لمجلس نواب العراق المخصصة لمناقشة الموازنة العامة، لم يقتصر المشهد على خلافات سياسية تقليدية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، بل كشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب البرلماني وحدود الالتزام بالقواعد الدستورية. ومن المهم التأكيد منذ البداية أن هذا الطرح لا يمثل انحيازاً لأي حزب أو جهة، كوردية كانت أم عربية، شيعية أم سنية، بل يستند إلى معيار واحد: احترام القانون والدستور، ورفض أساليب التهديد والترهيب داخل المؤسسة التشريعية.
لقد برز أسلوب رئيس مجلس النواب خلال الجلسة بوصفه أحد أبرز مظاهر هذا الخلل، حيث لم يقتصر الأمر على مضمون الخطاب، بل امتد إلى طريقة التعبير ولغة الجسد، ولا سيما الإشارة بالسبابة بطريقة حملت دلالات تهديدية تجاه حكومة إقليم كوردستان. إن مثل هذه الإشارات، في سياق مؤسسة دستورية، لا يمكن اعتبارها مجرد انفعالات عابرة، بل تعكس أسلوباً في إدارة الحوار يقوم على الضغط بدلاً من الاحتكام إلى النصوص القانونية. وهذا يتعارض مع الدور المفترض لرئيس المجلس بوصفه ضامناً للحياد وحامياً لهيبة المؤسسة التشريعية.
كما أن بعض مداخلات النواب اتسمت بنبرة تصعيدية واضحة، وصلت في بعض الأحيان إلى حدود التهديد أو فرض الإرادة السياسية، وهو ما يتنافى مع جوهر العمل البرلماني القائم على الحوار المنظم والاحتكام إلى الدستور. فالبرلمان ليس ساحة لتصفية الخلافات السياسية او الشخصية او المذهبية او القومية بأساليب انفعالية، بل هو فضاء دستوري يفترض أن تُدار فيه الاختلافات بلغة قانونية رصينة تحترم جميع الأطراف.
ومن جهة أخرى، برزت مواقف تقلل من مكانة حكومة إقليم كوردستان، وتتعامل معها وكأنها مجرد وحدات إدارية تابعة، وهو توصيف يخالف بشكل صريح نصوص الدستور العراقي. فالدستور في المادة (117) يعترف بإقليم كوردستان ككيان اتحادي، كما تمنحه المادة (121) صلاحيات واضحة ضمن النظام الفيدرالي. وبالتالي، فإن أي خطاب يتجاهل هذه الحقيقة لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي، بل يمثل ابتعاداً عن الإطار الدستوري الذي يُفترض أن يكون مرجعاً ملزماً للجميع.
أما فيما يتعلق بأداء النواب الكورد خلال الجلسة، فقد كان دون مستوى التحدي، ليس من باب الانحياز في التقييم، بل وفق معيار الفاعلية الدستورية. إذ كان بإمكانهم استخدام أدوات برلمانية مشروعة، مثل طلب نقاط نظام، أو الاعتراض الرسمي استناداً إلى النصوص الدستورية، أو تثبيت مواقف قانونية واضحة في محاضر الجلسة. إن ضعف التفاعل في مثل هذه اللحظات لا يعكس فقط موقفاً سياسياً، بل يشير إلى غياب توظيف الأدوات القانونية المتاحة داخل المؤسسة التشريعية.
إن خطورة ما جرى لا تكمن في الخلافات بحد ذاتها، فهي جزء طبيعي من أي نظام ديمقراطي، بل في الأسلوب الذي أُديرت به هذه الخلافات. فعندما تتحول لغة البرلمان من خطاب حقوقي إلى لغة تهديد، فإن ذلك لا يسيء إلى طرف بعينه، بل يضعف هيبة المؤسسة التشريعية ويقوض ثقة المواطنين بها. كما أن استمرار هذا النهج قد ينعكس سلباً على الواقع العام، من خلال تعزيز التوتر السياسي وإضعاف منطق الدولة لصالح منطق القوة.
وعلى المستوى الأوسع، فإن البرلمانات في الأنظمة الديمقراطية تقوم على مبدأ “الخطاب المنضبط”، حيث تُدار النقاشات وفق قواعد قانونية وأخلاقية صارمة، تضمن احترام جميع المكونات وتمنع الانزلاق نحو التهديد أو التقليل من الآخر. وهذا ما يحتاجه مجلس النواب العراقي اليوم، ليس فقط كنصوص مكتوبة، بل كممارسة فعلية تعكس الالتزام بروح الدستور.
إن معيار التقييم في هذا السياق لا يقوم على هوية المتحدث القومية او المذهبية او الدينية أو انتمائه الحزبي ، بل على مدى التزامه بالقانون والدستور. فالقضية ليست من مع أو ضد، بل كيف يُدار الخلاف ضمن إطار الدولة. ومن هنا، فإن الحاجة ملحة إلى إعادة ضبط الخطاب البرلماني ليكون منسجماً مع القيم الدستورية، بعيداً عن أي مظاهر ترهيب أو استعلاء او حقد او كراهية.
وفي الختام، فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب خطوات عملية، من بينها تعزيز الالتزام بمدونات السلوك البرلماني، وتفعيل دور رئاسة المجلس في ضبط الجلسات بحياد كامل، إضافة إلى ترسيخ الثقافة الدستورية لدى النواب، خاصة فيما يتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي. فالدولة لا تُبنى بالخطاب المتوتر، بل بالاحتكام إلى القانون، والبرلمان هو المكان الذي يجب أن تتجسد فيه هذه الحقيقة بأوضح صورها، فالبرلمانات ليست منصات للخطاب السياسي الشعبوي، بل مؤسسات دستورية يُفترض أن تضبط فيها اللغة وفق القانون.
ونرى ضرورة ان يكون نواب مجلس النواب وخطاباتهم داخل قبة مجلس النواب قانونية وليست حزبية او سياسية فان مجلس النواب لتشريع القوانين والبرامج التي تخدم المواطن والشعب بالكامل دون تمييز وليست لتخدم حزب او جهة سياسية محددة