سمير ميراني
ليس كل ما يتكرر يبقى كما هو، ولا كل ما يعود يكون هو ذاته، في كل عام حين تتساوى كفّتا الليل والنهار، لا يحدث مجرد تبدل في الفصول، بل يحدث شيء أعمق..؟ شيءٌ لا يُرى بالعين، بل يُدرك بالتاريخ، نوروز، لا يأتي كضيف عابر، بل يعود كذاكرة قديمة ترتدي وجوهاً جديد.
في البداية لم يكن نوروز عيداً، بل كان دهشةً أولى، إنسان بدائي يقف أمام الأرض، ويرى الموت قد انسحب، والحياة تعود خضراء من تحت الرماد، فيشعل ناراً لا ليحتفل؟ بل ليصدق أن ما يراه حقيقي، هناك ولد نوروز، بلا اسم، بلا قوم، بلا قصة.
ثم جاءت الممالك، وأرادت للزمن أن يخضع، فألبس نوروز تاجاً، وجُعل يوماً للعرش، ترفع فيه الرايات، وتقدم فيه الهدايا، ويُعلن فيه أن العالم يبدأ من الملك، وهنا لم يعد الربيع كافياً، فكان لا بد من أسطورة، وُلد الضحاك، ليس كملك فقط، بل كخوفٍ يسكن الحكايات، وفي مواجهته، لم يكن كاوا مجرد حداد، بل كان صوتاً خفياً في صدور كل مظلوم، حين يقرر أن يرفع المطرقة، لا ليصنع، بل ليتمرّد ويتحرر، وهكذا لم يعد نوروز فصلاً، بل صار قصة.
لكن القصص لا تبقى كما كُتبت، بل كما يحتاجها الناس، و مرّ نوروز بين الشعوب، كما تمر الريح بين الجبال، لا تُقيم عند أحد، لكن كلٌ يدعي أنه سمع صوتها أولاً، أخذه البعض ذاكرة، وأخذه آخرون هوية، وحوّله غيرهم إلى وعد، وفي كل مرة كان يُكتب من جديد.
في زمننا المعاصر، حيث لم يعد التاريخ يُروى بل يستخدم، هنا لم يعد نوروز مجرد احتفال، بل صار موقفاً، نارٌ تشتعل، لا لتدفئ، بل لتقول نحن هنا، قصة تُروى لا لتصدّق، بل لتوحّد، وذكرى تُستعاد، لا لأنها حدثت، بل لأنها يجب أن تبقى.
نوروز ليس كذبة، وليس حقيقة كاملة، إنه شيءٌ بينهما، شيء ٌ يشبه الإنسان نفسه، يتغير، يتشكل، ويحمل في داخله كل من مرّ به، لهذا حين يأتي نوروز، لا تسأل لمن هو؟ اسأل من نحن في هذه اللحظة؟ لأن نوروز لا يكشف الماضي، بل يكشفنا نحن، نوروز ليس يوماً، بل طريقة يمرّ بها الزمن داخلنا، وفي النهاية لا يكتب الناس نوروز فقط، بل نوروز أيضاً يكتبهم.