من الصحراء الى قيادة الحضارة الانسانية

د.سحر سعيد صالح

الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة هي حضارة جامعة ومتنوعة وإنسانيَّة ومنفتحة اشتركت فيها كل العناصر البشريَّة في المنطقة والعالم الإسلامي فهي ليست حضارة لعرقٍ معينٍ أو جنسٍ أو امةٍ أو قوميَّةٍ لقد رفدها الجميع بإبداعاتهم وأنشطتهم وجهودهم، وهي اليوم متوقفة عن النمو مذ دخلت في سكونيَّة تاريخيَّة ودخلتها مواريث عقيمة لا بُدَّ من إجراء قطيعة تاريخيَّة معها، وهي بحاجة أيضاً الى مشروعٍ فكريٍ معاصرٍ كبيرٍ بعيداً عن أيَّة إيديولوجيَّة ماضويَّة أو سياسيَّة، وهذا لم يتوفر بعد حتى الآن، وعلى مجتمعات العالمين العربي والإسلامي أنْ تعيدَ التفكير بتاريخ هذه الحضارة، فهي لا تشتمل على كل الإيجابيات، بل تتضمن بعض المثالب والآثام ودخلتها ثقافات سالبة وابتُليت بعاداتٍ عقيمة وتقاليد بدائيَّة لا تمت للحضارة وما وصل إليه الإنسان اليوم بصلة.
ويأتي اليوم من يقول بالمحافظة على الموروث، في حين إنّ من يتأمل في حقيقة هذا الموروث سيجده بعيداً كلّ البعد عن أيَّة نزعة حضاريَّة أو أخلاقيَّة أو إنسانيَّة. وأعتقد أنَّ الأجيال القادمة ستتعلم معنى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة بلا تعصّبٍ لها وبلا تنكيلٍ بها، ولكنْ لتتربى على قيمها الحضاريَّة بشكلٍ متوازنٍ ومتدارك.. بعد أنْ تعرف معنى الحضارة الحقيقي والمتمثل بمشاركتها العالم منتجاتها ومعطياتها لتلفت أنظار الدنيا لها.
كما أنَّ الأجيال القادمة ستدرك أنَّ قيمة المجتمعات بما تقدّمه للإنسانيَّة.
لا نغالي إنْ قلنا إن العرب القدماء الذين يربو تاريخهم على 3000 سنة مضت، كانت لهم تأثيراتهم التاريخيَّة والحضاريَّة على امتداد العصور، ومن أبرز ميزاتهم حيويتهم وديمومتهم وانفتاحهم على الآخرين واختلاطهم من خلال زيجاتهم، فعدت حضارتهم إنسانيَّة، ناهيكم عن كل ما قدموه للبشريَّة مهما كانت بيئاتهم الجغرافيَّة أو أطيافهم المسيحيَّة والإسلاميَّة، أو ثقافاتهم اللغويَّة والمعرفيَّة أو في الدول التي قاموا بتأسيسها ودافعوا عنها، ناهيكم عن منجزاتهم السياسيَّة وما تميّزت به مدنهم الاقتصاديَّة والكوسموبوليتانيَّة على شواطئ الأنهار أو الموانئ على سواحل البحار. اليوم نتحدث عن قيمتهم الثقافيَّة والانثربولوجيَّة ودورهم في التكوين الحضاري للعالم إشكاليَّة و الموضوع وأبرز المؤرخين فيه و محاولات التشويه والتدليس والتحريف، فقد صادفت الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة موجات من التحديات عبر تاريخها ولم تزل تعاني الكثير من التحديات الداخليَّة والخارجيَّة.
وأعتقد أن َّالتحديات الداخليَّة أقوى بكثيرٍ من الخارجيَّة، لقد اعتنى العديد من المؤرخين بحضارة العرب المتنوعة أذكر منهم: غوستاف لوبون في «حضارة العرب، وآرنولد توينبي في موسوعته دراسة في التاريخ، وهومل فرنز في تاريخ العرب القديم، وجواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وصالح أحمد العلي في محاضراته عن تاريخ العرب القديم، وجرجي زيدان في «تاريخ العرب قبل الإسلام، وثم «تاريخ التمدن الإسلامي وتاريخ آداب اللغة العربيَّة، وفيليب حتى في تاريخ العرب، ومارشال هودكسون في مشروع الإسلام، وكمال صليبي في كتبه وبحوثه عن غربي الجزيرة العربيَّة، واندريه ميكال في أطروحته الجغرافيَّة الإنسانيَّة عند العرب، وبيتر ويت في المتخيل العربي، وهاملتون كيب وبوون في تراث الإسلام، وإسماعيل راجي الفاروقي وغيرهم من الاكيولوجيين والانثربولوجيين في العالم.
ولكنْ علينا أنْ ننتبه الى ما ينشر في الضد في خضم دوائر استعرابيَّة وإيديولوجيَّة تقف معادية بشكلٍ صريحٍ ليس للحاضر العربي حسب، بل للتاريخ العربي برمته وعلى رأسها الصهيونيَّة العالميَّة التي يواجهها عالمنا بكل تحدياتها الخطيرة وأساليبها الصعبة، و يؤكد أغلب الدارسين لها بقولهم إنَّه لولا العرب لما انتشر الإسلام في هذا العالم، خصوصاً أنَّه انبثق في مركزيته نحو الآفاق البعيدة، ولا يمكن أنْ تخلو أيَّة موسوعة تاريخيَّة عالميَّة لها موضوعيتها من تحليل الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة وحيويتها وتواصلها واستمرارها لأكثر من ألف سنة مضت وهي زاخرة بتموجاتها بين الازدهار والانهيار ضمن موجات زمنيَّة وعبر تحقيبات تاريخيَّة، وهي واحدة من أبرز 18 حضارة عالميَّة عبر التاريخ يقابلها 21 دولة عالمية – ضمن تصنيف المؤرخ البريطاني توينبي – وكانت للعرب مواريثهم الزاهرة وثقافاتهم الواسعة وحياتهم الحضريَّة والاقتصاديَّة التجاريَّة المتمدنة قبل الإسلام ممثلة بمدنهم وممالكهم وتجاراتهم، ناهيكم عن نظم الحكم والسلالات الحاكمة من ملوك وملكات.
الرؤية والمنهج المقارن يتذكر المسلمون البيئات التي تطورت فيها الثقافات المتنوعة، ويمكننا تمييزها، وثمة سببٌ منطقيٌ للمساعدة في شرح التاريخ الحضاري القديم وهو عتيقٌ امتدَّ نحو العصور الإسلاميَّة.
وبالرغم من كثرة الدراسات وما نُشر عنه، إلا أنَّه بحاجة ماسَّة الى إعادة دراسته وفهمه من جديد على ضوء العلوم والمناهج الحديثة، فالتواريخ الحضاريَّة نفسها تستحق تمحيصاً دقيقاً، وتوثيقاً متكاملاً، مع اتساع مدارك الأجيال وامتلاكها حواسَّ الإعجاب والدهشة والروعة والسحر والنقد.
وبعيداً عن أولئك الذين يتملكهم الاشمئزاز من الماضي ويصفون كآبته ويتهمونه بشتى الاتهامات وسرد مجرد حكايات ضالة عنه.
نحن لا يفيدنا اليوم التفاخر والأساليب التمجيديَّة ولا تنفعنا الإنشائيات والأساليب التبريريَّة، كما لا تفيدنا أبداً الاجترارات لما قيل من قبلنا، بل ينبغي توظيف المناهج النقديَّة والتفكيكيَّة والمقارنة من أجل إعادة فهم الأمور على حقيقتها وامتلاك رؤية بعيدة ونسبيَّة،. صحيح أنَّها حضارة عريقة، وصفت بالتعدد والتنوع، لكنها تعرّضت لانقسامات شنيعة بولادة مللٍ ونحلٍ وانشقاقات شتى وما وصلت إليه اليوم من التشظي يجعلنا ندعو الى أيّ مشروعٍ حضاري جديدٍ لإبقاء الامتداد التاريخي للحضارة في مجتمعاتنا قاطبة بكلّ إيجابياتها الموروثة.
شبه الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام كانت الجزيرة العربيَّة موطن أغلب الشعوب القديمة التي استوطنت في منطقة الهلال الخصيب وخصوصاً الآراميين والعبرانيين والعرب بكل أروماتهم، وكانت تتدفق منها الهجرات البشريَّة نازحة من الجنوب نحو الشمال، وكانت للعرب تجاراتهم وثقافاتهم وزراعاتهم وأبنيتهم وسدودهم ومعابدهم ولهم مخيلتهم وذاكرتهم ورواياتهم الشفويَّة وأشعارهم وسجع كهانهم واعتزازهم بأنسابهم وأصولهم وعرفت الجزيرة العربيَّة الأديان والطقوس وعرف الناس بقيمهم ومروءتهم وذكائهم ومعارفهم، فضلاً عن أعراقهم الممتدة في أعماق التاريخ، إذ عرف العرب منهم البائدة والعاربة والمستعربة، ثم وجدنا في تضاعيف العصور الوسطى عرب الثقافات المختلطة والمولدة والممتزجة والموالية والمتطفلة.. الخ.
وتطورت الحضارة العربيَّة بعد امتداداتهم الإسلاميَّة في الآفاق شرقاً وغرباً منذ القرن السادس الميلادي وما تلاه من الأزمنة، وغدت المنطقة بعد دحر امبراطوريتين قويتين للرومان غرباً والساسانيين شرقاً تتشكّل على طرازٍ فريد، إذ اختلطت الأقوام على نحوٍ فريدٍ، وقد عرف العرب دون غيرهم بأنَّهم سريعو الاندماج بين الأمم من خلال الزيجات وتبني المواريث ونشر العربيَّة، فكان ذلك عاملاً فعالاً في نشر الإسلام. وتطورت الحياة الزراعيَّة والتجاريَّة المستقرة وهو ميراثٌ يمنيٌ قديمٌ؛ أي في الجنوب (اليمن) وما بعدها الى ما بعد حدود سوريا والعراق ومصر، هذه الأقوام هي الحضريَّة وهي الأكبر والأوسع.
لكنَّ الدواخل من البوادي القاسية كانت مجالاً للبدو (الأعراب) المتطبعين بالسمات الجغرافيَّة ومخيلتهم السحريَّة وعاداتهم الخشنة وقيمهم الثابتة وعزلتهم وأساليب حياتهم المختلفة عن الحضر، وبقدر ما أساؤوا على امتداد تاريخٍ طويلٍ، لكنهم اليوم قد ذابوا بعد استقرارهم، بل وتفوق بعضهم تفوقّاً حقيقياً لا متخيّلاً.
لقد كانت الوحدة الاجتماعيَّة السياسيَّة للتنظيم هي القبيلة.
بين مختلف القبائل العربيَّة، وقد بقي نظام القبيلة عند العرب حتى يومنا هذا ونحن في القرن الحادي والعشرين، وكانت هناك خلافاتٌ عديدة بشأن المياه والمراعي ثقافيًا، اعتمد العرب على الشعر كشكلٍ من أشكال الأخبار والترفيه والتاريخ، وهذا ما ميّزهم عن ثقافات شعوب أخرى.
و حيث ان العروبة هويَّة تاريخيَّة وانتماءٌ قديمٌ لا علاقة لها بالقوميَّة العربيَّة
صحيحٌ أنَّ العرب القدماء لم يكتبوا تاريخهم، لكنَّ التسجيلات الآشوريَّة واليونانيَّة والبيزنطيَّة ذكرتهم وعدَّتهم مادة جغرافيات الشرق الأوسط الصعبة وقد حافظوا على هويتهم وطوروا لغتهم وعرفوا أسرار طبيعتهم فكان لهم وجودهم واستمرار حياتهم ومن ثم منجزاتهم وكان الشعر منجزاً حضارياً له دلالات واسعة مع نشأة الأنساب وأساطير الأصول التي تربط عموم العرب السكان معًا في مجتمعٍ عرقيٍ واحدٍ، وهي الصفة الوحيدة التي ميزّت العرب منذ بدء تكوينهم وحتى اليوم اعتزازهم بنسبهم وأصالتهم فهم الوحيدون على الأرض ممن اهتم بالأنساب والأصول وكتبوا مجلداتٍ في ذلك منذ أكثر من ألف سنةٍ مضت.
وقد تشكلت الهويَّة العربيَّة وزاد الاعتزاز بالأنساب بعد بدء الإسلام.
فكان أنْ انتسبت قوى بشريَّة كبرى للعرب وما هم بعرب!، فكانت أنْ نهضت مجتمعات.
الممرات المشتركة مع الآخرين والتي عبر بها المسلمون الأوائل في أروع منجزاتهم الحضاريَّة التي أدهشت العالم مع خلق شعورٍ جديدٍ بالتوحد والعظمة وما تحتويه من النسيب والفخر والشرف والفخامة والوجاهة والعزة والمروءة التي لا نجدها في أممٍ أخرى.
إنَّ البعض من المستكشفين والمؤرخين لم يتوصلوا الى حقائق جليَّة عن مخفيات مدهشة، ولكنه يغرق متحمسًا في شبه الجزيرة العربيَّة مدوناً أروع الصفات عن العرب.
وعليه، فإنَّ دراسات تخصصيَّة غير منحازة وهي بمنتهى الموضوعيَّة تفصحُ من خلالها عن حقائق تتجسد فيها أسس العروب

قد يعجبك ايضا