فينوس بابان
في الفلسفة السياسية الحديثة، لا تُقاس حكمة القيادات التاريخية بمدى التمسك بالقوانين الجامدة بل بالقدرة على صياغة مواقف تنفيذية مرنة تُحيل التنوع الثقافي والديني من حقول ألغام إلى ركائز للاستقرار السيادي، من هذا المنطلق يأتي قرار حكومة إقليم كوردستان بتعطيل الدوام الرسمي تزامنًا مع ذكرى عيد الغدير في العراق كخطوة تتجاوز التنسيق الإداري لتستقر في عمق الدبلوماسية الروحية، إنها رسالة سياسية بليغة صاغتها أربيل بروح المسؤولية الوطنية الشجاعة، لتؤكد للشركاء والشارع على حد سواء أن وجدان الأمة وعمق المشتركات الروحية أقوى من كل النظم وأبقى من كافة التحولات الإدارية.
إن عيد الغدير، بما يمثله في ضمير المكون الشيعي من دلالات ترتبط بقيم العدالة والحق وإرساء دعائم الولاية والنقاء الإنساني هو محطة وجدانية كبرى في الذاكرة العراقية، وحينما تشارك كوردستان قيادةً وشعباً في إحياء هذه الذكرى فإنها لا تنطلق من مجاملة سياسية عابرة بل تعيد تذكير العالم بأسره بالروابط التاريخية والدموية التي جمعت الكورد والأخوة الشيعة، فالتاريخ يشهد أن جبال كوردستان كانت الملاذ الآمن والدرع الحصين لرجالات ومفكري الحركة الشيعية في عقود النضج والتضحية ضد الدكتاتورية.
وهنا يستذكر الضمير الوطني العراقي بأكمله، كيف احتضنت قمم كوردستان وعاصمتها أربيل شهيد المحراب آية الله السيد محمد باقر الحكيم وقادة الفكر الحركي الذين وجدوا في كوردستان رئة المعارضة الحرة، وفي وقت كان النظام البائد يحارب فيه الفكر والرمزية الروحية كانت قواطع الجبال وشعابها تشهد ملحمة الخندق الواحد، حيث اقتسم البيشمركة الأبطال والمجاهدون القادمون من أهوار الجنوب رغيف الخبز الواحد وأقاموا مجالس العزاء الروحية بحرية كاملة وحماية كوردستانية مطلقة لتمتزج دماء شهداء الأنفال وحلبجة بتضحيات أحرار المقابر الجماعية والانتفاضة الشعبانية في أروع صور التضامن الوجودي، هذا التاريخ المشرف يمثل امتداداً وفاءً لفتوى المرجعية الدينية العليا التاريخية لآية الله السيد محسن الحكيم التي حرّمت قتال الشعب الكوردي والتي ينظر إليها إقليم كوردستان كدَين أخلاقي لا يمحوه الزمن.
لذلك، فإن القرار الحالي لا يخاطب الغرف السياسية المغلقة بل يتوجه مباشرة إلى قلب المواطن العراقي ليؤكد له أن مقدساته وأيامه التاريخية تحظى بأعلى درجات التبجيل والمهابة في أربيل كما هي في النجف وكربلاء وبغداد، إن إقليم كوردستان الذي غدا واحة أمان حاضنة لجميع الأطياف يترجم اليوم هذا التناغم إلى سلوك سياسي يرتكز على مبدأين ثابتيْن: المساواة المطلقة والاحترام الوجودي المتبادل. ومن خلال هذا الخطاب الرفيع تقطع أربيل الطريق أمام كافة الأصوات التي تحاول حصر العلاقة مع بغداد في أطر الخلافات الفنية لتعيد تصحيح البوصلة نحو الأفق الأرحب: أفق الأخوة التي لا تزعزعها عواصف السياسة العابرة.
ختاماً، إن الرسالة الأعمق لهذا الموقف لا تتوقف عند حدود السياسة وصنّاع القرار بل هي نداءٌ موجّهٌ إلى كل إنسان يعيش على هذه الأرض وإلى جيل اليوم الذي يقع على عاتقه رسم ملامح المستقبل، إنها دعوة للشباب العراقي من زاخو إلى البصرة ليدركوا أن قوة هذا الوطن تكمن في تنوعه وأن الأوطان لا تُبنى بالتقاطع والتباعد بل بالتكامل والاحترام المتبادل والمحبة الصادقة.
تحية كوردستان للغدير هي تذكيرٌ لكل عراقي بأن هذه الأرض تتسع للجميع تحت سقف مواطنة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية، إنها أمانة الأجداد الذين تعمّدت أخوتهم بالدم في خنادق النضج والتضحية واليوم هي مسؤولية جيل الشباب لتحويل هذا الإرث المشترك إلى وعي حقيقي يُعلي قيم قبول الآخر، لتبقى جبال كوردستان دائماً حِصناً للتعايش وتبقى بيوت الجنوب والوسط مشرعةً بالأخوة والوفاء من أجل غدٍ مشرق يستحقه كل إنسان على هذه الأرض المعطاء.