أ.د.خليل مصطفى عثمان
في خضمّ التصعيد العسكري الذي شهده كوردستان العراق عام 1974 بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، برزت شائعة لافتة حول وفاة القائد الكوردي، لتتحول سريعًا إلى مادة تداول إعلامي ودبلوماسي على حد سواء. تكشف وثيقة صادرة عن السفارة البريطانية في بيروت بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر 1974 عن متابعة دقيقة لما نشرته مجلة Al Sayyad اللبنانية بشأن ما اعتبرته أدلة على وفاة البارزاني. وتكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها لا تكتفي بنقل خبر صحفي، بل تعكس كيفية تعامل الدوائر الدبلوماسية مع الشائعات بوصفها مؤشرات سياسية وأدوات محتملة في سياق الحرب النفسية.
بحسب ما ورد في التقرير المنقول، استندت المجلة إلى برقيتين قيل إن السلطات العراقية اعترضتهما، إحداهما موجهة إلى قادة عسكريين كورد وتتضمن إشارة إلى أن “أبطال البيشمرگة” لم يعد ينبغي لهم التفكير في بارزاني لأنه توفي، والأخرى تتحدث عن إقامة صلوات “لمصطفى الراحل” في منطقة بنجوين. كما أُضيفت قرائن أخرى، من بينها توقف إذاعة “صوت كوردستان” عن بث الموسيقى الخفيفة، في محاولة لبناء سردية متكاملة توحي بحدوث الوفاة دون إعلان رسمي مباشر. هذا الأسلوب في تجميع الإشارات والقرائن يعكس طبيعة الخطاب الإعلامي في زمن النزاعات، حيث تتحول التفاصيل الجزئية إلى عناصر في معركة معنوية أوسع.
تأتي هذه الشائعة في سياق سياسي وعسكري بالغ الحساسية. فقد دخلت المواجهة بين بغداد والقيادة الكوردية مرحلة الحرب المفتوحة بعد تعثر اتفاق الحكم الذاتي عام1974، وأصبح وجود الملا مصطفى البارزاني في الميدان يمثل عامل تماسك أساسي للحركة الكوردية، ليس فقط بصفته قائدًا عسكريًا، بل رمزًا قوميًّا ذا شرعية تاريخية وقومية.
في مثل هذا السياق، فإن تداول خبر عن وفاته — حتى لو كان غير مؤكد — كان كفيلًا بإحداث ارتباك نفسي داخل صفوف البيشمركة وإضعاف المعنويات الشعبية، فضلًا عن منح الحكومة العراقية ورقة دعائية توحي باقتراب نهاية الحركة الكوردية.
غير أن الوثيقة البريطانية تُظهر قدرًا من الحذر التحليلي، إذ تشير إلى نفي الحكومة الإيرانية للتقارير، مع ملاحظة أن صيغة النفي قد تُفهم على أكثر من وجه. كما تذكر أن الحكومة العراقية لم تمنح الخبر دعاية رسمية، خشية أن يكون مجرد خدعة. هذا التردد في التبني العلني يعكس إدراكًا لحساسية الموضوع.
من منظور أوسع، يمكن قراءة هذه الحادثة بوصفها مثالًا على الحرب النفسية التي ترافق النزاعات غير المتكافئة، حيث يُستهدف الرمز القيادي باعتباره نقطة ارتكاز في بنية الحركة. إن المساس بصورة القائد أو إثارة الشكوك حول استمراريته يُعد من أكثر الأساليب تأثيرًا في زعزعة الثقة الداخلية، خاصة في الحركات ذات الطابع الكاريزماتي. فالقائد هنا ليس مجرد مدير للعمليات، بل تجسيد للهوية والذاكرة والشرعية الثورية.
تؤكد الوقائع اللاحقة أن الملا مصطفى البارزاني لم يتوفَّ عام 1974، بل استمر في قيادة الثورة حتى تداعيات اتفاقية الجزائر عام 1975، قبل أن يتوفى لاحقًا عام 1979 في الولايات المتحدة. ومن ثمّ، فإن قيمة هذه الوثيقة لا تكمن في صحة الخبر الذي تناولته، بل في كونها شاهدًا أرشيفيًا على بيئة إعلامية وسياسية تتشابك فيها الشائعة مع الاستراتيجية، ويتداخل فيها الصحفي بالدبلوماسي، ويتحول الخبر غير المؤكد إلى أداة في معركة الإرادات.
إن دراسة مثل هذه الوثائق تفتح المجال لفهم أعمق لكيفية صناعة السرديات في زمن الصراع، وكيف تتحرك الشائعة بين العواصم والجرائد والسفارات لتصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل التصورات السياسية.
ختامًا، تكشف شائعة وفاة الملا مصطفى البارزاني عام 1974 كيف يمكن للخبر غير المؤكد أن يتحول إلى أداة سياسية في قلب الصراع، وأن تصبح الكلمة جزءًا من ميدان المعركة. فهي لا تعكس واقعة تاريخية بقدر ما تعكس طبيعة زمنٍ كانت فيه الرموز القيادية مستهدفة كما تُستهدف الجبهات، وتُدار فيه الحروب بالعقول كما تُدار بالسلاح.