د.نادية الجدوع
ليست المقابر الجماعية وحدها شاهداً على المآسي التي مرت بها الشعوب، فهناك نوع آخر من المقابر أقل ظهوراً وأكثر خطورة، إنها المقابر المالية الجماعية التي تُدفن فيها أحلام الأوطان وحقوق المواطنين ومستقبل الأجيال تحت ركام الفساد وسرقات المال العام.
فعندما يتحول المنصب العام من مسؤولية وطنية إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، تصبح خزائن الدولة هدفاً لعصابات منظمة ترتدي أحياناً ربطات العنق وتحمل ألقاباً رسمية. وحينها لا تُسرق الأموال فحسب، بل تُسرق معها فرص العمل، والمشاريع التنموية، والخدمات الأساسية، وحق المواطن في حياة كريمة.
إن الفاسد لا يختلس رقماً من حسابات الدولة فقط، بل يقتطع جزءاً من دواء مريض، ومقعد طالب، وطريق قرية، ومستشفى مدينة. وكل دينار يُنهب من المال العام يترك خلفه أثراً من الحرمان والتراجع وانعدام الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لقد أثبتت التجارب أن الفساد المالي أخطر من كثير من التحديات الأمنية والاقتصادية، لأنه ينخر في جسد الدولة من الداخل ويقوض أسس العدالة والتنمية. فالدول التي تعجز عن حماية أموالها العامة تجد نفسها عاجزة عن تحقيق التنمية والاستقرار مهما امتلكت من ثروات وموارد.
ومن هنا فإن مكافحة الفساد ليست مجرد إجراءات قانونية، بل هي مشروع وطني وأخلاقي يستند إلى الشفافية والرقابة والمساءلة وسيادة القانون. فلا حصانة لفاسد، ولا قدسية لمنصب إذا تحول إلى وسيلة لنهب حقوق الشعب.
إن المال العام هو ملك للأمة بأكملها، وأمانة في أعناق المسؤولين. ومن يمد يده إلى هذه الأمانة لا يسرق خزينة الدولة فحسب، بل يشارك في إنشاء مقبرة مالية جماعية تُدفن فيها آمال المواطنين ومستقبل الوطن.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كم من المشاريع والخدمات والفرص دُفنت في هذه المقابر المالية قبل أن يحين وقت الحساب ؟