قناع الغرائز

سمير ميراني

ليس اضطرار الإنسان إلى ارتداء الأقنعة أمراً طارئاً على طبيعته الاجتماعية، فالحياة تفرض أدواراً، والظروف تملي سلوكيات، والمصالح كثيراً ما تشكل الوجوه، الخطر الحقيقي لا يكمن في القناع ذاته، بل في الدافع الذي يحركه، وفي الوعي أو الجهل الذي يضبطه.
التلون الاجتماعي ليس حكراً على فئة دون أخرى، ولا على طبقة بعينها، إنه سلوك يتوزع بين النخبة والعوام، بين المثقف والسياسي من جهة، والجاهل العادي من جهة أخرى، لكن الفارق الجوهري لا يكمن في القناع نفسه، بل في الخلفية المعرفية والأخلاقية التي تصاحبه.
قناع المثقف أو السياسي غالباً ما يتشكل تحت ضغط المسؤولية ومتطلبات الدور العام، فالمثقف يجامل حفاظاً على مساحة تأثيره، والسياسي يوازن بين الخطابين درءاً لصراعٍ قد يخل بالمصلحة العليا، هنا يصبح القناع أداة إدارة وتكيّف ، تضبطه ثقافة ووعي بالعواقب، ومع ذلك يظل معرضاً للانحراف حين تتحول المصلحة العامة إلى ستار لمصلحة شخصية.
في المقابل يرتدي الجاهل قناعه بدافع مختلف، إنه لا يتحرك ضمن وعي نقدي، ولا يدرك تبعات أفعاله، تدفعه أهواء آنية ورغبات مباشرة، يقلد النخبة في مظاهر التلوّن ، لكنه يفتقر إلى أدوات الضبط المعرفي، فيتحول القناع عنده من مهارة اجتماعية إلى وسيلة انتهاز، هنا يتجلى خبث الإيذاء البشري، إذ يبرر الضرر باعتباره ذكاءً، وتسمى القسوة مهارة، ويغدو الآخر مجرد وسيلة لتحقيق منفعة عابرة، والجهل يمنح جرأة غير محسوبة ، وثقة زائفة تجعل صاحبه يمارس الأذى دون الشعور بالمسؤولية.
أخطر ما يهدد المجتمع ليس تعدد الأقنعة، بل غياب بوصلة الاخلاقية التي تضبطها، فالمعرفة بوصفها وعياً ومسؤولية، تضع حدوداً للسلوك وتكشف عواقبه، أما الجهل حين يتظاهر بذكاء زائف ، ويحرر غرائزه من قيودها، يحول الحياة إلى ساحة انتهاز مستمرة .
لذلك لا يكون الإصلاح في نزع الأقنعة كلياً ، بل في تهذيب الوعي الذي يقف خلفها، فحين يحضر العقل والأخلاق، يصبح التكيّف ضرورة حضارية ، وحين يغيبان، يتحول القناع إلى أداة إيذاء، ويتحول الإنسان إلى خصمٍ لأخيه الإنسان.

قد يعجبك ايضا