نوري جاسم
يأتي رمضان كل عام لا ليضيف إلى أيامنا يومًا، بل ليخصم من أعمار الغفلة أعوامًا. هو ليس شهر الجوع كما يراه السطحيون، بل شهر الامتلاء؛ امتلاء القلب بالسكينة، والعقل بالبصيرة، والسلوك بالانضباط. في عالمٍ تتسارع فيه الخطى نحو المادة، ويضيق فيه صدر الإنسان بضجيج المصالح، يهبط رمضان كاستراحة نورانية، يعيد ترتيب الداخل قبل الخارج، ويذكّرنا أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يزكّي.
الصيام في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام، بل امتناعًا عن الانفلات؛ هو إعلان سيادة الروح على الجسد، وإعادة الاعتبار للضمير في زمن المساومات. حين يجوع الجسد، تستيقظ المعاني النائمة، ويصبح للخبز معنى، وللماء قداسة، وللفقير مكان في القلب لا في الخطاب فقط. ومن هنا، فإن رمضان ليس عبادة فردية فحسب، بل مشروع عدالة اجتماعية يبدأ من الإحساس وينتهي بالفعل؛ من شعورٍ صادق بمعاناة الآخرين، إلى مبادرة تُخفف عنهم وطأة الحياة.
رمضان مدرسة أخلاق، فيه يتعلم الإنسان أن يراقب نفسه قبل أن يراقب الناس، وأن يُصلح سريرته قبل صورته. ما قيمة الصيام إن لم يُهذّب اللسان؟ وما معنى القيام إن لم يُحيِ الرحمة في المعاملة؟ إن أعظم ما يمنحه هذا الشهر هو فرصة المراجعة: أن نقف مع ذواتنا وقفة صدق، نحاسبها بلا مجاملة، ونصالحها بلا خداع، ونعاهدها على بداية مختلفة. ففي كل فجرٍ رمضاني رسالة تقول: ما زال في العمر متسع للتغيير.
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى روح رمضان، لا إلى شكلياته؛ إلى ثقافة العفو بدل ثقافة الانتقام، إلى خطاب الرحمة بدل خطاب الكراهية، إلى تربيةٍ تُعلي قيمة الإنسان بدل أن تُسقطه في صراعات الهوية الضيقة. فحين يتربى الفرد على ضبط النفس، تتراجع مساحات العنف، وحين يتعلم الصدق مع الله، يصدق مع الناس، وحين يعتاد العطاء، يضعف في داخله جشع الامتلاك.
رمضان ليس نهاية المطاف، بل بداية الطريق. هو ورشة سنوية لإعادة بناء الإنسان على أساس التقوى والوعي والرحمة. فإذا أحسنا استثماره، خرجنا منه بقلوب أخفّ، ونفوس أصفى، وعزائم أصلب في طريق الخير. أما إن اكتفينا بمظاهره، فسنودّعه كما استقبلناه، بلا أثرٍ يغيّر واقعًا أو يُصلح نفسًا.
فلنجعل من هذا الشهر نقطة تحوّل لا محطة عابرة، ولنجعل من صيامنا جسراً إلى إصلاحٍ دائم، ومن قيامنا نورًا يقود خطانا بعد انقضائه. عندها فقط نفهم أن رمضان لم يأتِ ليزور أيامنا، بل ليوقظ إنسانيتنا. وهذا هو ديدن وروح فكر الطريقة العلية القادرية الكسنزانية وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..