نبيل عبد الأمير الربيعي
الروائي حسام آل زوين هو كاتب وقاص عراقي برز في الساحة الأدبية المعاصرة، ويُعرف بأسلوبه الذي يمزج بين الواقعية والرمزية، مع التركيز على القضايا الاجتماعية والسياسية التي تمس الشارع العراقي. وتمتاز كتاباته بالغوص في النفس البشرية وتصوير المعاناة اليومية للإنسان العراقي، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد. ويميل إلى استخدام لغة سردية مكثفة ومشوقة، تجعل القارئ شريكاً في استنتاج المعاني خلف السطور.
ويعد آل زوين من الأسماء النشطة في المشهد الثقافي، ويُعتبر صوتاً يمثل جيلاً من الكتاب الذين حاولوا توثيق المرحلة الراهنة بأسلوب أدبي رفيع بعيداً عن المباشرة. وفي روايته الأخيرة “صوب الجبل” يحمل دلالات عميقة تختلف باختلاف سياق القصة، للإشارة إلى التمسك بالأرض، الجذور، أو المبادئ. والوصول إلى قمة الجبل يتطلب جهداً، مما قد يرمز إلى رحلة شاقة يخوضها أبطال الرواية. وقد يمثل الجبل مكاناً للبحث عن الذات بعيداً عن ضجيج المجتمع.
ومن خلال السياق الروائي، يعود بنا بالحنين للماضي، والعودة إلى القرية أو الجذور الأصيلة التي يمثلها الجبل. والرحلة النفسية التي يقطعها الإنسان للوصول إلى حقيقته أو “قمته” الخاصة. والعنوان يوحي دائماً بحركة مستمرة (سير أو هجرة) نحو هدف عظيم وراسخ، مما يعطي الرواية طابعاً ملحمياً أو تأملياً.
وبداية روايته هذه كانت قوية ومؤثرة جداً. وتحمل ثقلاً عاطفياً وتاريخياً كبيراً، وتضع القارئ فوراً في أجواء ملحمية تمزج بين الوجع والبطولة. واستخدامه لثنائية (الهور والجبل) في الرواية يمثل ذكاء الروائي؛ فهي تختصر جغرافيا النضال العراقي وتاريخ المعارضة، وتربط بين أقصى الجنوب وأقصى الشمال في خندق واحد ضد الظلم.
والمفردات التي استخدمها في الرواية منسابة بشكل شعري جميل، خاصة الانتقال من “ناضل” إلى “ضحى” ثم “استشهد”. أما الإهداء فواضح ومباشر، لا يحتاج لتأويل، مما يجعل القارئ يدخل في صلب القضية منذ الصفحة الأولى.
هذا النوع من الروايات غالباً ما يكون صوتاً لمن لا صوت لهم. وكلمات تشي جيفارا دائماً ما تحمل تلك النبرة الثورية الحادة والمفعمة بالأمل في آنٍ واحد. هو لم يكن مجرد مقاتل، بل كان منظّراً يرى أن القضية الإنسانية عابرة للحدود والجنسيات. وفي قوله عن “الحياة الكريمة”، يضرب جيفارا على وتر المساواة الاجتماعية. هو يرفض حصر الرفاهية في “النخبة”، ويرى أن الدولة تفشل في واجبها إذا لم تضمن الكرامة لأصغر أفرادها.
وإيمانه بأن “النضال هو الحل الوحيد” يعكس واقعية ثورية؛ فهو يرى أن الحقوق لا تُمنح كبقايا طعام، بل تُنتزع انتزاعاً من خلال الإرادة والعمل الجماعي.
من أقوال جيفارا المأثورة التي تتماشى مع هذا السياق: “لا يهمني أين ومتى سأموت، طالما أن هناك من سيحمل بندقيتي من بعدي ويستمر في إطلاق الرصاص.” “إن الطريق مظلم وطويل، فإذا لم تحترق أنت وأنا، فمن سينير الطريق”؟ ويظل جيفارا رمزاً يثير الجدل والارتباك في آن واحد، لكن لا يمكن إنكار أن كلماته تلمس جانباً عميقاً من الرغبة الإنسانية في العدالة.
هذا الرواية تسرد مذكرات غنية بالتفاصيل الوجدانية والتاريخية، حيث يمزج بين الذاكرة الشخصية لبطل الرواية (مهند) وبين التحولات السياسية الكبرى التي شكلت وعي الجيل العربي في الخمسينيات والستينيات.
ويبدأ النص بمشهد أنثروبولوجي دقيق؛ الموقد الحجري، ورائحة سعف النخيل، و”الصندوق الخشبي” (الراديو). هذا المشهد يصور كيف كان المذياع هو النافذة الوحيدة على العالم، وكيف كانت إذاعة “صوت العرب” من القاهرة، بصوت مذيعيها الرنان (مثل أحمد سعيد)، هي المحرك العاطفي والسياسي للجماهير، والوسيلة التي نقلت أفكار جمال عبد الناصر إلى أزقة المدن العربية.
ويرصد النص كيف صعدت مكانة مصر في الوجدان الشعبي من خلال: المد القومي والهجوم على الأنظمة التي وُصفت بـ”الرجعية” ودعم حركات التحرر (الجزائر، اليمن، فلسطين). والانفتاح على الاتحاد السوفياتي هي الإشارة إلى زيارة “يوري غاغارين” و”خروتشوف” تعكس الانبهار بالتقدم العلمي والسياسي للمعسكر الشرقي آنذاك، مما عزز الشعور بالندية تجاه الاستعمار الغربي.
وتنتقلنا الرواية لمرحلة مفصلية في تاريخ العراق؛ ثورة 14 تموز 1958 التي أنهت الملكية. ويركز “مهند” في ذاكرته على مشهد بصري قوي: عودة الملا مصطفى البارزاني: مشهد القطار القادم من البصرة إلى بغداد، والبيشمركة بزيّهم التقليدي (اليشماغ الأحمر) فوق أسطح العربات، ويمثل لحظة التحام وطني ورمزية لعودة القيادات الكوردية من المنفى السوفياتي في بدايات العهد الجمهوري.
ومن أجمل لفتات النص الروائي هو الربط بين الأمكنة (السليمانية، أربيل، بهدينان) وبين طاشقند (أوزبكستان). ولقاء مهند في السبعينيات بأبناء البيشمركة الذين عاشوا في الاتحاد السوفياتي يجسد “الشتات السياسي” العراقي.
والإشارة إلى الأستاذ “صالح البخشي” الذي كان يقدم الشاي في أوانٍ تحمل صورة عبد الكريم قاسم، تعكس مدى تمسك المعارضين أو الهاربين من أحداث 1963 برموزهم الوطنية حتى وهم في أقاصي آسيا الوسطى.
والنص الروائي ليس مجرد سرد لتاريخ سياسي، بل هو سيرة وعي. يبين كيف تحول الطفل الذي يراقب دخان الموقد خفية عن أبيه إلى شاب يدرس في طاشقند، حاملاً معه إرثاً من الشعارات، وصور الثوار، والتعاطف العابر للقوميات بين العرب والكورد في مواجهة التحديات السياسية. هذا النص ليس مجرد سرد لذكريات، بل هو مرثية شاهقة كالجبال، وتوثيق وجداني يمزج بين قسوة الطبيعة وصلابة المبدأ. إن ما ذكره “مهند” يمثل ذاكرة الدم والنار في جبال كوردستان، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة (رائحة المغارة، حزن البغل، ضحكة ملازم جواد) إلى رموز أسطورية لصمود الإنسان العراقي.
أما الوقفة تأملية والتلخيصية لهذه الملحمة الإنسانية التي سطرها الأنصار: تمثل قدسية المكان: من “هور الغموكة” إلى “حصاروست”. يربط النص ببراعة مذهلة بين جغرافيا العراق؛ من أقصى الجنوب حيث الأهوار التي تصب في الخليج، إلى أقصى الشمال حيث قمم “حصاروست” و”شاخ رش”. هذا الربط يؤكد أن النضال لم يكن فئوياً أو مناطقياً، بل كان خريطة وطن سُقيت بالدم من البصرة حتى بهدينان.
أما مأساة بشتأشان الجرح الذي لم يندمل، فيستحضر الروائي آل زوين الفاجعة (بشتآشان وقنديل) بصفتها لحظة فارقة. إن مشهد النصير وهو يبحث عن الحقيقة بين الهمسات، وسؤاله المفجع عن “أبو تيسير” وكاسيت صوت ابنه، يجسد التضحية الشخصية العظمى. هؤلاء لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل كانوا آباءً وعشاقاً وأبناءً تركوا حياتهم من أجل حلم أكبر.
أما قيادة “أبو عواطف” فهي القدوة، يبرز الرفيق أبو يوسف (أبو عواطف) في النص كرمز للطمأنينة. كان الخيمة التي يلوذ بها الأنصار لتبديد وحشة القصف والغربة. وفي السجن (خلف الحدود) كان صوته وضحكته كفيلين بتبديد القلق وتحويل زنزانة الغربة إلى مكان صالح للأمل. إن “نكران الذات” الذي أشار إليه الروائي هو العملة النادرة التي جعلت من هؤلاء القادة منارات باقية.
فضلاً عن دور المرأة النصيرة التي تمثل البطولة المجهولة. ولم ينسَ النص دور الرفيقات (فاتن، موناليزا، أحلام، باسمة، تانيا، وغيرهن). ذكرهن بالأسماء هو إنصاف لتاريخ عظيم شاركت فيه المرأة العراقية الرجل في خنادق الجبل، وتحملت معه قسوة الطبيعة وبطش الأنظمة.
ومحطات من ذاكرة “مهند” تجاوزت نهر دجلة الهائج في الهزيع الأخير من الليل. ومن سخرية الألم؛ كلمات الشهيد ملازم جواد عن أمه التي تظنه نائماً على وسادة مطرزة، بينما هو يفترش فضلات الحيوانات في مغارة. وعناد البغل ودوي “الدوشكا”؛ كلها تفاصيل إنسانية تضفي حيوية على مشهد الانسحاب والمواجهة مع القوات التركية. أما هذه الأوراق التي احتفظ بها مهند في (عليجته) هي الأمانة التي تضمن ألا تذهب دماء “سعيد رش” و”باسل الطائي” ورفاقهم سدى. إنها الورد الأحمر الذي يزهر كل ربيع ليذكرنا بأن الجبال لا تنسى من عبروها. “لقد شهدت السماء وملائكتها وبكت دماً لكم وتصلد صخر الجبال من شجاعتكم”.
يا لها من شهادة محملة بالشجن، توثق حقبة من أقسى فترات التاريخ العراقي المعاصر. كلمات “مهند” ليست مجرد ذكريات، بل هي توصيف حي لمأساة جيل وجد نفسه بين مطرقة نظام دكتاتوري فاشي لا يرحم، وسندان حروب وصراعات داخلية وخارجية معقدة. هذا النص الروائي يطرح عدة إشكاليات عميقة عاشها المناضلون الشيوعيون العراقيون.
ومن المفارقات المؤلمة (تراجيديا الأخوة والأعداء). أقسى ما في شهادة مهند هو ذلك اللقاء بعد أربعين عاماً؛ حيث يكتشف أن “الثورة تأكل أبناءها” أو تضعهم في مواجهة بعضهم البعض. هذه الحوادث تبرز كيف عبثت الحروب بالنسيج الاجتماعي العراقي، حيث يُزج بالناس في جبهات القتال قسراً لتتحول البنادق نحو الصدور الخطأ. فضلاً عن دور الكفاح المسلح؛ بين الحماس والتنظيم، الذي ينتقد مهند بصدق وشجاعة آلية “التعبئة المستعجلة” للكفاح المسلح في كوردستان. يشير إلى نقاط جوهرية كان يمكن أن تغير الكثير، منها: التهيئة النفسية والمعرفية: غياب دراسة اللغة الكوردية وطبيعة الأرض للملتحقين الجدد. وإجبار الطلاب على ترك دراستهم في الخارج للالتحاق بالجبل، مما أفقد الحزب الشيوعي العراقي طاقات فكرية كان يمكن استثمارها بشكل بعيد المدى.
لكن الفوقية التنظيمية تعد الإشارة إلى تصرفات بعض الرفاق (خريجي مدارس التدريب الفلسطينية) وتأثير ذلك على معنويات الرفاق الآخرين. ورغم الصمود الأسطوري للحزب نجد هناك النقد المرير للظروف والقرارات، ينهي مهند حديثه بنبرة فخر واعتزاز بـ”عنقاء الحزب الشيوعي العراقي”. فالحزب الذي تعرض للتصفية في الأعوام (1949، 1963، 1978) وما بعدها، ظل ينهض من وسط الرماد.
هذه القدرة على الاستمرار رغم “المقابر الجماعية” و”السلاح الكيمياوي” تعكس تجذراً فكرياً واجتماعياً لا يمحوه الرصاص. لكن قراءة في التاريخ والوجع من خلال حديث مهند عن رحيل القادة (عبد الناصر، كاسترو، جيفارا) وتفكك الاتحاد السوفياتي يضع المعاناة العراقية في سياق انكسار المشروع التحرري العالمي، مما زاد من وحشة المناضل العراقي وهو يواجه مصيره وحيداً في “قواطع” الجبال أو في أقبية الأمن.
“وعبارة سالم حزبنا.. ما همته الصدمات”، تمثل ليست مجرد شعار، بل هي نشيد العزاء لكل من فقد أخاً أو صديقاً أو سنوات من عمره في سبيل حلم بـ “وطن حر وشعب سعيد”. هذا النص ليس مجرد كلمات، بل هو مرثية وفاء تقطر شجناً نبيلاً، يمزج بين الذاكرة الشخصية والتاريخ النضالي لجيل كامل وهب حياته من أجل حلم “الوطن الحر والشعب السعيد”.
أما الوقفة التأملية في هذه السطور التي تحتفي بالشهيدين سمير مهدي شلال (أبا تيسير) ومحمد شاه مراد:
أولاً: نجد من خلال الرواية أن سمير مهدي شلال (أبو تيسير).. أناقة الروح والمبدأ يرسم الروائي لـ”أبا تيسير” صورة تمزج بين الصرامة التنظيمية والرقة الإنسانية. هو الرفيق الذي يستقبل الاجتماع الحزبي وكأنه “عرس”، يتأنق بربطة عنقه الحمراء ليؤكد أن النضال ليس تجهماً، بل هو قمة الاحتفاء بالحياة. ثم تبرز مأساة بشتآشان، هذا الاسم كجرح غائر في الذاكرة، حيث اختلطت الدماء بالطبيعة الجبلية القاسية، ليبقى الشهيد “غائباً حاضراً” في كل قرنفلة وراية.
ثانياً: محمد شاه مراد الذي يمثل الطيبة الفيلية وعنفوان الشباب، فينتقل لنا النص الروائي لسرد قصة الشهيد محمد شاه مراد، الذي يمثل مأساة الكورد الفيليين ومعاناتهم مع التهجير والاضطهاد. والتناقض المدهش بين حياة الدراسة في “بلاد الثلج” (تشيكوسلوفاكيا سابقاً) وبين وعورة جبال كوردستان، يعكس حجم الإيمان بالقضية. والتواضع ونكران الذات يصفه الكاتب بـ”طير من طيور الجنة”، الشاب الرياضي ابن مدينة البياع، الذي ترك ملاعب كرة القدم ليحمل السلاح دفاعاً عن كرامة شعبه.
ثالثاً: ملامح “أهل الطريق” (الأنصار)، النص الروائي يوثق مرحلة تاريخية هامة (بداية الثمانينيات) ويبرز قيم حركة الأنصار، من الهوية العراقية الجامعة: “لا فرق بين عربي وكوردي وسني وشيعي وصابئي…”، الكل انصهر في بوتقة “عراقيون” لمواجهة الظلم. وثقافة النخبة، وهي الإشارة إلى المطبعة، الفنانين، المهندسين، والكُتب، توضح أن هؤلاء المناضلين كانوا “حملة فكر” قبل أن يكونوا مقاتلين.
وخلاصة الوجع والوفاء ما يميز الرواية هو “أنسنة الشهيد”. فالروائي آل زوين لا يتحدث عن أرقام أو رموز صماء، بل يتحدث عن أصدقاء يفتقد خلساتهم، ونقاشاتهم، وضحكاتهم. هي محاولة لبعث الحياة في أرواحهم من خلال الكلمة، كي لا يطوي النسيان تلك التضحيات. و”يبقى إنساننا العراقي إنسان… رغم غدر الزمان”.