حازم حميد
بمناسبة احتفالنا باليوم الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة، لا ينبغي أن تقتصر هذه المناسبة على إصدار البيانات وإلقاء الكلمات، بل يجب أن تكون فرصة لمراجعة إحدى أخطر المشكلات التي ما زالت تعاني من التجاهل في العراق، وهي التحرش بالنساء في الشوارع وأماكن العمل والمؤسسات الحكومية والجامعات والأماكن العامة.
ان التحرش ليس تصرفا فرديا عابرا ولا مزحة ثقيلة كما يحاول البعض تصويره، بل هو اعتداء على الكرامة الإنسانية واستغلال للسلطة وانتهاك لحق المرأة في العمل والدراسة والتنقل بأمان. والأسوأ من ذلك أن كثيرا من الضحايا يفضلن الصمت خوفا من فقدان وظائفهن أو التعرض للانتقام أو التشهير، بينما يشعر المتحرش بأنه بمنأى عن المساءلة في ظل غياب قانون واضح وصارم يردعه.
وتزداد خطورة المشكلة عندما يكون المتحرش مسؤولا أو مديرا يمتلك سلطة التعيين أو الترقية أو النقل أو إنهاء الخدمة. ففي هذه الحالة لا تواجه المرأة سلوكا مشينا فحسب، بل تواجه إساءة استخدام للسلطة قد تجعلها مضطرة للاختيار بين كرامتها ومستقبلها الوظيفي. كما أن التحرش في الشوارع والأماكن العامة يترك آثارا نفسية واجتماعية لا تقل خطورة، ويحد من حرية المرأة في ممارسة حياتها الطبيعية.
إن أخطر ما في التحرش ليس الفعل نفسه فقط، وإنما ثقافة الصمت التي تحيط به. فالمتحرش يستمد قوته من خوف الضحية ومن صمت الأسرة ومن ضعف الإجراءات القانونية ومن اعتقاد كثيرين أن الإبلاغ لن يغير شيئا. وكل شكوى لا تقدم تمنحه ثقة أكبر في تكرار جريمته مع ضحية جديدة.
وفي المقابل، أدركت معظم الدول المتقدمة منذ سنوات طويلة أن التحرش لا يهدد الضحية وحدها بل يهدد المؤسسة والمجتمع بأكمله. فأي شكوى تحرش قد تتحول إلى قضية قانونية تكلف المؤسسة تعويضات مالية كبيرة وتلحق بها أضرارا جسيمة في سمعتها وقد تؤدي إلى استقالة أو إقالة مسؤولين إذا ثبت أنهم تجاهلوا الشكاوى أو تستروا على المتحرش. ولهذا أصبحت المؤسسات في تلك الدول تضع سياسات واضحة لمكافحة التحرش وتنشئ قنوات سرية للإبلاغ وتوفر برامج تدريب إلزامية للعاملين وتباشر التحقيق في أي شكوى بصورة فورية. ولم يعد من المقبول أن يعتبر المدير القضية “خلافا شخصيا” بين موظفين، لأن المؤسسة نفسها قد تتحمل المسؤولية إذا أهملت واجبها في توفير بيئة عمل آمنة.
ومن المهم أن ندرك أن معظم قضايا التحرش لا تقع أمام كاميرات المراقبة أو بحضور شهود. فهي غالبا تحدث داخل المكاتب أو أثناء الاجتماعات أو من خلال الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل. ولذلك فإن غياب الكاميرا أو الشاهد لا يعني أن الشكوى غير صحيحة، كما لا يعني في الوقت نفسه إدانة المتهم تلقائيا. فالنهج القانوني السليم هو التعامل مع الشكوى بجدية ثم إجراء تحقيق مهني ومحايد يجمع كل ما يمكن من أدلة وقرائن مثل الرسائل والمراسلات الإلكترونية وسجلات الاتصالات وشهادات الزملاء وأنماط السلوك السابقة، مع ضمان حق الطرفين في العدالة واحترام قرينة البراءة. أما إغلاق الملف منذ البداية بحجة عدم وجود تصوير أو شاهد مباشر، فهو في الحقيقة تشجيع غير مباشر على استمرار هذه الجريمة.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن كسر حاجز الصمت كان نقطة التحول الحقيقية في مكافحة التحرش، إذ سقط مسؤولون ورجال أعمال وإعلاميون وشخصيات نافذة بعد أن تحلت الضحايا بالشجاعة والجرأة على تقديم الشكاوى، ولم تعد الشهرة أو النفوذ أو المال ضمانة للإفلات من المحاسبة عندما توجد قوانين فعالة ومؤسسات مستقلة تطبقها بعدالة. لقد شهد العالم عام 2017 انطلاق حملة (انا ايضا ME TOO ) التي بدأت بعد أن كشفت نساء عن تعرضهن للتحرش والاعتداء الجنسي من قبل شخصيات نافذة، ثم تحولت إلى حركة عالمية شجعت ملايين النساء على كسر حاجز الصمت والإبلاغ عن الانتهاكات.
إن استمرار الصمت لا يضر بالمرأة وحدها، بل يضر بالمجتمع كله. فكل متحرش يفلت من العقاب اليوم قد يجد ضحية جديدة غدا. وكل مؤسسة تتستر على متحرش حفاظا على سمعتها، تخسر في الحقيقة ثقة موظفيها وتتحول إلى بيئة غير آمنة للعمل والإبداع والإنتاج.
ومن هنا، فإن الرسالة الأولى يجب أن توجه إلى مجلس النواب العراقي، فالوقت قد حان لتشريع قانون متكامل وصارم لمكافحة التحرش، يوفر الحماية القانونية للمرأة في الشوارع وأماكن العمل والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات، ويضع تعريفا واضحا لجريمة التحرش، وينشئ آليات آمنة وسرية للإبلاغ، ويحمي المبلغات والشهود من أي انتقام، ويتضمن عقوبات رادعة بحق كل من يثبت ارتكابه هذه الجريمة، مع تشديد العقوبة إذا استغل الجاني منصبه أو سلطته الوظيفية أو كانت له سلطة مباشرة على الضحية. فلا يمكن ترك كرامة المرأة رهينة للاجتهادات أو للإجراءات الإدارية المتفاوتة، بل يجب أن تكون محمية بنصوص قانونية واضحة وحازمة.
أما الرسالة الثانية فهي إلى المرأة العراقية وان تكون شجاعة بما يكفي ولا ترضى بالسكوت. فإذا تعرضت للتحرش، فحاولي توثيق ما يتوافر من أدلة أو قرائن، وقدمي شكوى إلى الإدارة العليا أو إلى الجهات الرقابية أو القضائية المختصة. فالسكوت لا يحمي الضحية، بل يمنح المتحرش فرصة للإفلات من العقاب وتكرار جريمته مع أخريات.
والرسالة الثالثة إلى الآباء والأمهات فعندما تخبركم ابنتكم بأنها تعرضت للتحرش، فلا تجعلوا خوفكم من كلام الناس أقوى من حرصكم على كرامتها وحقوقها. قفوا معها، وساندوها، وشجعوها على المطالبة بحقها، لأن حماية الضحية أولى من حماية سمعة الجاني. فالمرأة التي تتعرض للتحرش ثم تجبر على الصمت تعاقب مرتين؛ مرة بسبب المتحرش، ومرة بسبب المجتمع الذي يخذلها.
أما الرسالة الرابعة فهي إلى جميع المسؤولين ومديري المؤسسات الحكومية والأهلية وهي إن التستر على المتحرش أو ممارسة الضغوط على الضحية للتنازل أو الصمت لا يحمي المؤسسة، بل يجعلها شريكة في استمرار الجريمة. والإدارة الناجحة هي التي تفرض بيئة عمل آمنة وتحاسب كل من يسيء استغلال سلطته، مهما كان منصبه أو نفوذه.
واخيرا، فإن حماية المرأة من التحرش ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل هي قضية عدالة وسيادة قانون وكرامة إنسانية. فالمجتمع الذي يحاسب المتحرش هو مجتمع يحترم الإنسان، أما المجتمع الذي يصمت عن الجريمة فإنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن النفوذ أقوى من القانون.
وفي اليوم الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة انه قد آن الأوان لأن ينتقل العراق من مرحلة الحديث عن المشكلة إلى مرحلة معالجتها تشريعيا ومؤسسيا. فلا يجوز أن تبقى المرأة العراقية بين خوفها من المتحرش وخوفها من المجتمع، بينما يبقى الجاني مطمئنا إلى أن الضحية ستختار الصمت.