نبيل عبد الأمير الربيعي
الأُمة التي لا تعرف تراثها معرفةً علمية واعية، لا مجرّد معرفة خطابية عابرة، لا يمكنها أن تواصل خطاها نحو التقدّم، ولا أن تنتج حاضرها مستقبلاً، بل تبقى في غياهب الماضي تجترّ ما عندها إلى ما لا نهاية. واليوم حيث يعود الفكر الإسلامي السياسي إلى الظهور من جديد، تبدو الحاجة ماسّة لتثوير التراث، لكي نأخذ عصارته والمفيد منهُ، ونذر ما يذهب جفاءً. ومن الضروري اليوم معالجة الفكر السياسي عند علماء مسلمين ينتمون إلى تيارات ثقافية مختلفة، ومنهم أخوان الصفا وخلان الوفا، للضرورة الماسة لتسليط الضوء على منجزهم من خلال آفاق الفكر السياسي لديهم.
لذلك عُدَّ القرن الرابع الهجري مقطعاً زمنياً حساساً واستثنائياً بالنسبة لتاريخ الأمة الإسلامية، وذلك للظروف الاستثنائية والحرجة التي عاشها المسلمون إبان ذلك القرن سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي. فإن تلك الفترة بالذات كانت فترة ازدهار وتطور العلوم العقلية والحكمة، من خلال ما شهدته النشأة العقلية للمجتمع الإسلامي من تواصل علمي ومناقشة بين المسلمين وغيرهم من المجتمعات والحواضر الإنسانية الأخرى، وظهور أعمال ترجمة كثيرة من اللغات الفارسية والهندية والسريانية واليونانية إلى العربية، كان لها بالغ الأثر في إغناء المشهد الثقافي والعلمي للمسلمين. ولا شك أن وفرة النتاجات العلمية في تلك الفترة هو أقوى دليل على مدى سعة وعمق التحول العلمي والعقلي الذي شهده العالم الإسلامي آنذاك.
في تلك الفترة قام جمع من العلماء بتأسيس جمعية سرية ذات توجهات شيعية، ولها أهداف وتطلعات سياسية معينة أسموها (إخوان الصفا وخلان الوفا)، وقد حرص هؤلاء على تدوين الأفكار الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية الرائجة في عصرهم بأسلوب علمي واضح وسلس، ضمن مجموعة رسائل عرفت بـ(رسائل إخوان الصفا).
أهداف أخوان الصفا ومقاصدهم
كان الهدف من أخوان الصفا وحركتهم ومقاصدهم من وضع هذه الرسائل في ساحة الدين بطراز من الفلسفة والمنهج الفلسفي. وأن جهود إخوان الصفا كانت تصب في مجال الإصلاح الديني – الأخلاقي. أما الهدف السياسي لحركة إخوان الصفا، فكان أهم بكثير من هدفهم العلمي والفكري وذلك لأن إخوان الصفا كانوا يكنون العداء للنظام السياسي القائم آنذاك في بغداد، ولذلك تجدهم بشروا في مواطن عديدة من رسائلهم بتأسيس حكومة زمنية تقوم على أساس العدل وكانوا يرون الحكم العباسي قمة الانحطاط، ويعملون على تأجيج روح الحماس والثورة لدى أنصارهم ضد النظام السياسي القائم، وفي سبيل تقويض أركانه وإقامة دولة إخوان الصفا كبديل عنه.
وبالرغم مما يعتقده إخوان الصفا من أن الطريق إلى إحداث تغيير في النظام السياسي، يكمن في تغيير النظام العقلي الحاكم على حياة المسلمين، ولذا تجدهم راحوا يكافحون النظام السياسي الفاسد على منوال الفيثاغوريين والأفلاطونيين، إلا أن هذا كله لا يمنع من القول بأن حركة إخوان الصفا هي في الواقع تمثل الولادة الطبيعية للمخاض السياسي والنهضة الفكرية والعملية التي شهدها القرن الرابع الهجري، كما أن ظهور هذه الحركة في البصرة بما تعيشه من ظرف سياسي خاص آنذاك، يكشف عن الطابع السياسي لهذه الحركة، ويمكن الوقوف على بعض أهداف هذه الجماعة من خلال التوافر على قراءة مستوعبة للرسائل بما فيها إسقاط النظام السياسي القائم آنذاك، وذلك من خلال التوفيق بين الدين والفلسفة والنظر في جميع العلوم، فضلاً عن العلوم الطبيعية، والعلوم الرياضية والعلوم الإلهية وغيرها من العلوم، وعدم التورط في معاداة أي من المذاهب الموجودة وكانوا يفيدون من لغة الرمز والإشارة والمضامين العرفانية والباطنية في بيان أهدافهم.
ومن جملة الأسباب التي تبرز الهدف السياسي لإخوان الصفاء هي الظرف السياسي والفكري الخاص إبان القرن الرابع الهجري، فالحياة السياسية للمسلمين في القرن الرابع الهجري يسودها الفساد والانحلال، ومركز الخلافة في بغداد قد آل أمره إلى الانحطاط والسقوط. وعليه فالبلدان البعيدة عن مركز الخلافة رفعت راية الاستقلال، وأما البلاد القريبة من مركز الخلافة فقد كانت تسعى إلى الحصول على نوع من الاستقلال الداخلي. وتتفاوت هذه الحالة من التردي في أرجاء العالم الإسلامي قوة وضعفاً من منطقة إلى أخرى، تبعاً للظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة، وتبعاً لطبيعة نشاط الزعماء ودعاة الاستقلال. وبذلك أضحى العالم الإسلامي ميداناً يسوده الهرج والمرج، وتعصف به شتى الاضطرابات، وتتصارع فيه الأهواء والميول السياسية المتعددة.
في ظل هذه الظروف نشط إخوان الصفا كحركة سرية، وراحت تسعى في طلب السلطة السياسية من خلال التمسك بمبدأ الرفق والمداراة العمل السري في كسب الأنصار والأعوان وهم في حركتهم هذه ينطلقون من منطلق توعية الناس بفساد السلطة السياسية الحاكمة عن طريق الرمز والإشارة والتبشير بدولتهم المنشودة والمثالية الأمر الذي من شأنه أن يتيح الفرصة لتغلغل إخوان الصفا في أوساط الناس وتعبئة جميع طبقات المجتمع بما فيهم الحكام والتجار والفلاحين لتأسيس نهضة عظيمة فكرية – سياسية.
إن رسائل إخوان الصفا لا شك هي من اتقن الآثار العلمية والفلسفية لتلك الفترة، حيث لم تكتفِ بتزويد الأجيال اللاحقة بوصف دقيق للحياة السياسية المتدهورة آنذاك، بل راحت تبشر بنظام سياسي يبتني على نظام عقلي وفلسفي خاص. وهذه الرسائل والتي بلغ عددها (اثنتان وخمسون) رسالة، تكفلت ببيان جميع علوم وفنون ذلك العصر بدأً بالعلوم الطبيعية وفروعها، ومن ثم المنطق والرياضيات والإلهيات والحكمة العملية وإلى غير ذلك، وقد تم إلحاق رسالة أخرى إلى هذه الرسائل عرفت بـ(الرسالة الجامعة) شكلت الخلاصة لما ورد في الرسائل الاثنتين والخمسين. لقد اشتملت هذه الرسائل على جملة بحوث من قبيل: تصانيف العلوم وطبقاتها. سبل الحصول على العلم والمعرفة ما بعد الطبيعة. علم الأعداد، الهندسة، الموسيقى، النجوم الفيزياء، الكيمياء، علم النفس.
بالإضافة إلى بحوث في السياسة من قبيل: الدين والمُلك، الدولة أركانها وتقسيماتها، عوامل رقي الدولة وسقوطها، المدينة وأهلها. وتتميز جميع هذه البحوث والمعالجات ببيان علمي دقيق وشيق. ومن الملاحظ أن جماعة إخوان الصفا سواء في كفاحهم ضد الواقع السياسي القائم أو في محاولاتهم في التأصيل النظري للنظام السياسي الأمثل كانوا قد تأثروا بالأفكار اليونانية عموماً والأفكار الفيثاغوروسية خصوصاً. فراحوا بوحي من هذه الأفكار يعالجون ويبحثون في مجالات السياسة الحكومة علاقة الفرد بالحكومة، وعلاقة الفرد بالمجتمع إلى جانب مسائل أخرى تتعلق بعلم الاجتماع.
متى دونت هذه الرسائل وفي أي مكان؟!
ثمة استفهامات وأسئلة في خصوص جماعة إخوان الصفا شغلت أذهان الباحثين والمحققين من جملة هذه الأسئلة ما هي حقيقة هذه الجماعة ذات الطابع السري؟ ومن هم كاتبو رسائل إخوان الصفا؟ متى دونت هذه الرسائل وفي أي مكان؟ وما هو مذهبهم في العقيدة؟ هل كانوا ينتسبون إلى التشيع؟ وإذا كانوا من الشيعة، فمن أي فرق الشيعة هم؟ ماذا كانت أهدافهم؟ وما هي مشاريعهم؟ أساساً لماذا كانت النشاطات العلمية والسياسية لهذه الجماعة تتسم بالسرية؟ وبالتالي، ما هي أهم الأفكار والآراء السياسية لهذه الجماعة؟
ما يمكن البتّ به هو أن مجموعة رسائل إخوان الصفا تشتمل على علوم ومعارف جمة تعود للعصر الذي عاشوا فيه، وتعد هذه الرسائل من نوادر المصادر الإسلامية في مجال الأخلاق، والكلام، والتربية والتعليم، والسياسة والتي لا يمكن لأي باحث أو مفكر أو فيلسوف سياسي أن يستغني عنها.
لم تحظ معالجاتهم هذه باهتمام كبير من قبل المفكرين والباحثين، ولما كان الطابع السري هو الحاكم على هذه الحركة ونشاطاتها العلمية والسياسية، بات من الصعب معرفة مؤلفي هذه الرسائل، ومن هنا سادت تكهنات كثير، واختلاف حول من يكون رجال هذه الرسائل. وزمن ظهور هذه الجماعة، لم يسفر الزمن برحلته الطويلة عن إحداثيات دقيقة في خصوص مؤلفي هذه الرسائل، وفي أي مكان كانت؟ وعليه، لم يعد في البين سوى آراء متعددة يعوزها الانسجام والتناسق بل تصل في البعض منها إلى حد التناقض.
وأن رسائل إخوان الصفا هي من عيون التراث الإسلامي، بل يمكن القول إنها من عيون التراث في العالم أجمع. ضمت إليها مجموعة من الأفكار والآراء، قسم منها مستقاة من الكتب السماوية والآخر من مصادر غير سماوية، وفي الفلسفتين الإسلامية واليونانية.
مؤلفو رسائل إخوان الصفا
هناك ثمة آراء متباينة ومتضاربة فيما بينها لا تعدو حد الخيال والظن والحدس حيث يعتقد البعض أن إخوان الصفا ينتسبون إلى المذهب الإسماعيلي وأن أحد أئمة الإسماعيلية المدعو أحمد المكتوم بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق هو الذي ألف رسائل إخوان الصفا، وقد جاء في الترجمة الفارسية لرسائل إخوان الصفا التي نشرها الميرزا محمد ملك (في عام 1304هـ) في باب الحديث عن أحمد بنعبد الله وكيفية تدوينه للرسائل ما يلي: (بعد استشهاد الإمام الرضا (ع) أخذ المأمون العباسي بالاهتمام بتراث فلاسفة اليونان، في هذه الفترة بعث أحمد بن عبد الله برسائل إخوان الصفا والبالغ عددها إحدى وخمسون رسالة إلى المأمون من دون أن يكتب اسمه على تلك الرسائل، فعلم المأمون أن الأرض لا تخلو من علماء آل محمد، وقد حرص أحمد ابن عبد الله على أن يعيش متخفياً بزي التجار، فمرة يظهر في الكوفة، وأخرى في (السلمية)، وثالثة في (سر من رأى)، حتى توفاه الأجل في السلمية).
إذن بناء على هذا النقل، فإن رسائل إخوان الصفا تبلغ إحدى وخمسين رسالة بالإضافة إلى رسالة تدعى بالجامعة، وأخرى تدعى جامعة الجامعة تشتمل على خلاصة ما ورد في مجموع الرسائل.
ويرى الميرزا محمد ملك الذي أشرف على إصدار الترجمة أن تاريخ ترجمة هذه الرسائل إلى اللغة الفارسية يعود إلى عصر الأمير تيمور الكوركاني، حيث يكتب قائلاً: (لقد قام أحمد بن عبد الله بن محمد المكتوم بتلخيص الرسائل الإحدى والخمسين في رسالة واحدة أسماها الجامعة، ومن ثم قام بتدوين رسالة أخرى أسماها جامعة الجامعة، وكلا الرسالتين يندر العثور عليهما. وفي عصر الأمير تيمور الكوركاني ترجمة رسائل إخوان الصفا إلى اللغة الفارسية ترجمة موجزة مختصرة).
ويعتقد البعض ممن يرى أن أحمد بن عبد الله المكتوم هو المؤلف لرسائل إخوان الصفا، أن الباعث الذي اضطره إلى تأليف هذا التراث العلمي والفلسفي العظيم، هو خوفه من ضياع وضلالة المسلمين بفعل المخططات التآمرية التي يقوم بها العباسيون، والتي تحمل طابع العداء للتشيع والشيعة، خصوصاً على عهد المأمون وهارون الرشيد، وبعد شهادة الإمام الكاظم والإمام الرضا.
من هنا جاءت خطوة أحمد بن عبد الله في تدوينه الرسائل إخوان الصفا من أجل انقاذ الدين، وتخليصه من الشوائب والانحرافات التي علقت به جراء سياسة بني العباس في التآمر على الدين. وقد أودع أحمد بن عبد الله في رسائله هذه شتى صنوف الحكمة والمعارف الإلهية والفلسفية، بالإضافة إلى علوم الشريعة وعلوم الطبيعة.
ويرى عماد الدين إدريس، وهو من مؤرخي القرن التاسع الهجري، في كتابه (عيون الأخبار أن رسائل إخوان الصفا) من تأليف أحمد بن عبد الله، فكتب قائلاً: (وخشي الإمام عليه السلام – يعني به أحمد بن عبد الله – أن يميل الناس إلى ما زخرف المأمون عن شريعة جده المختار، ويزيغوا عن سنته إلى سنة الفجار. فألف (رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا)، وجمع فيها من العلوم والحكم والمعارف الإلهية والفلسفية والشرعية…). ثم يشير إلى السبب من وراء تأليف هذه الرسائل فيقول:(وإنما ألف الإمام أحمد بن عبد الله سلام الله عليه تلك الرسائل، وأبان فيها واضحات الدلائل ليقوم الحجة على المأمون وأتباعه، ومن قفى على آثارهم وشاكلهم في إيرادهم وإصدارهم، حين انحرفوا عن علم أهل النبوة).
إخوان الصفا هم جمع من فلاسفة القرن الرابع الهجري
والبعض يرى أن إخوان الصفا هم جمع من فلاسفة القرن الرابع الهجري، وبسبب ما كان بينهم من انسجام فكري وتقارب عاطفي ونفسي. قاموا بتأليف الرسائل خدمة للأهداف العلمية والسياسية والثقافية التي كانوا ينشدونها معاً.
ولا بد من التذكير هنا بنقطة هامة، وهي أن النشاطات العلمية في العالم الإسلامية غالباً ما تتخذ طابعاً فردياً، إذ قلما تجد جهود علمية ذات طابع جماعي من هنا فإن إخوان الصفا تعتبر من المجاميع النادرة والتي اتسمت نشاطاتهم العلمية بطابع تنظيمي حركي، ومن أبرز هذه النشاطات معالجة مواضيع علمية مختلفة في الرسائل بأقلام مختلفة والملاحظ أن المنهج العلمي المتبع لدى هذه الجماعة قد تأثر بالأهداف السياسية التي تعمل من أجلها.
والاتجاه الثاني؛ يرى البعض وفيهم عدة من المتقدمين وعدة من المتأخرين ومنهم حسين نصر في كتابه (آراء المفكرين المسلمين حول الطبيعة)؛ ينسبون رسائل إخوان الصفا إلى جماعة من علماء البصرة. ولما كان كاتبو الرسائل قد تكتموا على أسمائهم، فإن تحديد أسمائهم كان محل أخذ ورد بين الباحثين والمحققين.
وقد أشار إليهم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي مؤلف كتاب (تاريخ الحكماء)، وأسماءهم مؤلفي الرسائل، حيث ينقل عن أبي حيان التوحيدي صاحب كتاب (الإمتاع والمؤانسة) أسماء مؤلفي الرسائل، ثم يعقب على ذلك فيقول: (ولما كتم مصنفوها أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها، فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس والتخمين فقوم قالوا: هي من كلام بعض الأئمة من نسل علي بن أبي طاب، واختلفوا في اسم الإمام الواضع لها اختلافاً لا يثبت له حقيقة، وقال آخرون: هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول. ولم أزل شديد البحث والتطلب لذكر مصنفيها، حتى وقفت على كلام لأبي حيان التوحيدي، جاء في جواب له عن أمر سأله عن وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة في حدود سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة، وصورته: قال أبو حيان حاكياً عن الوزير المذكور: حدثني عن شيء هو أهم من هذا إلي وأخطر على بالي). وأبو حيان في هذا السؤال والجواب، وضمن إيضاح مذهب وخصوصيات هؤلاء الفكرية والعلمية ومكانتهم، ذكر أسماء أربعة من مؤلفي رسائل إخوان الصفا وهم: (أبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وجماعة غيرهم).
وفي كتاب (نزهة الأرواح وروضة الأفراح) للشهرزوري ذكر أسماء أُخر زعم أنها أسماء مؤلفي الرسائل، منهم: (أبو الحسن علي بن هارون الصابي، أبو أحمد النهرجوري، عوفي البصري، زيد بن رفاعة أبو سليمان المعروف بالمقدسي) وقد ورد اسم الأخير – أبو سليمان المقدسي – في كتاب (تاريخ الحكماء) نقلاً عن أبي حيان التوحيدي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الترجمة التي أوردها أبو حيان عن بعض هؤلاء الشخصيات قلما ورد عنها ذكر في كتب التراجم، ومن جانبه أشار الخطيب البغدادي إلى زيد بن رفاعة ووصفه بالمحدث الكذاب.. وفي رأي آخر للشهرزوري في كتاب (روضة الأفراح) يذكر أسماء خمسة أشخاص باعتبارهم من مؤلفي الرسائل، لكنه في نفس الوقت يعتقد بأن الرسائل من إنشاء المقدسي. وأما جرجي زيدان فقد عد أسماء خمسة أشخاص من أعضاء هذه الجماعة في كتابه (آداب اللغة العربية) يوافق فيه ما نقله القفطي.
وهناك ثمة اختلاف في الرأي حول عضوية أبي حيان التوحيدي في حركة إخوان الصفا، حيث يعتقد البعض بأنه واحد من جماعة إخوان الصفا فيما يذهب آخرون إلى أنه ثمة تقارب فكري بين أبي حيان التوحيدي وبين إخوان الصفاء إلا أن هذا التقارب لم يؤد بأبي حيان إلى أن يستسلم تماماً أمام أفكار هذه الجماعة، لذا نجده يخالف مع فكرة التوحيد بين الدين والفلسفة والتي تشكل أحد الأهداف العليا التي ناضل من أجلها جماعة إخوان الصفا.
لا شك إذن أن أبا حيان كانت تربطه بجماعة إخوان الصفاء خصوصاً زيد ابن رفاعة والمقدسي رابطة حوار وتواصل ثقافي وفكري، إلا أن هذه الرابطة لا تعني بأي حال من الأحوال انضمامه إلى جماعة إخوان الصفا، بدليل أن المتتبع في آثار حياة أبي حيان يجد أن تاريخ وفاته كان عام 400 للهجرة، فيما ذهب آخرون إلى أن وفاته كانت عام 414 للهجرة. ثم إنه ينقل بنفسه هذه الحادثة فيقول: لقد سألت المقدسي عن عقائد إخوان الصفا، لكنه لم يجدني أهلاً للإجابة. من جانبه أكد هنري كربون على هذه النقطة، وهي أن مؤلفي إخوان الصفا مجهولو الهوية، لكنه في نفس الوقت عد كلاً من أبي سليمان البستي المقدسي. وعلي بن هارون الزنجاني ومحمد بن النهرجوري (المهرجاني)، وأبي الحسن العوفي من مؤلفي الرسائل، مستنداً في ذلك إلى نقل كل من أبي حيان وابن القفطي والشهرزوري ويعتقد كربون أن مؤلفي الرسائل ينتسبون إلى المذهب الإسماعيلي، كما يرى أن مقر هؤلاء هو البصرة.
ويذهب بعض اهتمام الباحثين إلى أن هذه الرسائل من تأليف الإمام جعفر الصادق، فيما ذهب آخرون إلى أن الرسائل من تأليف مسلمة ابن قاسم الأندلسي، وهناك من ينسبها إلى الحكيم المجريطي القرطبي، والدليل الذي يورده هؤلاء على انتساب الرسائل إلى المجريطي هو أن المجريطي هذا قام بإملاء مضمون رسالة الجامعة لإخوان الصفا على تلاميذه وبذا يكون قد ساهم في نشر وترويج الرسائل في بلاد الاندلس. من هنا تصور البعض أن المجريطي هو صاحب هذه الرسائل.
وفي كتاب (تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي) لحنا الفاخوري يرى أنه من المحتمل أن يكون محررو الرسائل قد صنفوها بإرشاد وتوجيه من أحمد بن عبد الله، ومن هنا نسبت الرسائل إليه. ثم يعدد الفاخوري نفسه مجموعة أسماء من قبيل زيد بن رفاعة، وأبو سليمان محمد بن نصر البستي المشهور بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، على أنهم من كتاب إخوان الصفا ويقول الفاخوري أيضاً: إن لهؤلاء شهرة في دنيا العلم والمعرفة ولهم صدى واسعاً.
من هذا يتبين لنا إن إخوان الصفا هم حركة منظمة عدد المنتسبين إليها أكثر من الأعضاء الخمسة الذين اشتهروا بكونهم مؤلفي إخوان الصفاء هؤلاء الخمسة هم في الواقع من أبرز أعضاء هذه الجماعة الذين استطاع أبو حيان التعرف عليهم.
والسؤال الآخر الذي يلح على الأذهان هو متى كان تاريخ تدوين رسائل إخوان الصفا والواقع أن تاريخ تدوين الرسائل هو أيضاً كموضوع مؤلفي الرسائل يلفه هالة من الغموض والإبهام. وقد ولد هذا الإبهام والغموض في خصوص هوية المؤلفين وتاريخ تدوين الرسائل آراء ووجهات نظر متعددة ومتضاربة، فيرى البعض أن تاريخ تأليف الرسائل يعود إلى الفترة الواقعة ما بين سني 350 إلى 375 للهجرة. وهناك عدة شواهد تؤيد هذا الرأي، منها أن مؤلفي الرسائل كانوا قد استشهدوا في عدة مواطن من الرسائل بأشعار أبي الطيب المتنبي (المتوفى ما بين 353-354) للهجرة.
كما أن المجريطي والذي يعد من مروجي هذه الرسائل في أسبانيا، توفي عام 395هـ، وهذا يدل على أن الرسائل تم تأليفها قبل هذا التاريخ بسنين. أضف إلى ذلك أن أبا حيان المتوفى عام 400هـ، كان قد ألتقى بزيد بن رفاعة أحد مؤلفي إخوان الصفا وأعطى الرسائل لأبي سليمان المنطقي السيستاني لينظر فيها، فنظر الأخير فيها وأبدى رأيه، فقال ما مضمونه إن هذه الجماعة تهدف إلى إيجاد التوافق بين الفلسفة والدين.
وهناك نقطة أخرى في خصوص رسائل إخوان الصفا حصل الخلاف حولها بين الباحثين، وهي عدد الرسائل والملاحظ أن الكتاب أنفسهم اختلفوا في عددها، فذكروا أعداداً مختلفة. فقد ورد في فهرس الرسائل أن عددها اثنتان وخمسون رسالة، ولكنهم في مواطن أخرى ذكروا أن عدد الرسائل إحدى وخمسون رسالة إلا أن الرسائل الموجودة بين أيدينا نظمت على أساس اثنتين وخمسين رسالة وحتى الرسالة الجامعة والتي تعتبر خلاصة الرسائل، هي الأخرى نظمت على هذا الأساس أيضاً، ويعتقد البعض أن الرسالة الجامعة ليست من إخوان الصفا، وأن الحكيم المجريطي هو الذي قام بجمعها وتنظيمها وفق الطريقة المتبعة في الرسائل وأن هذه الخلاصة التي كتبها كانت هي السبب في رواج وانتشار الرسائل في الأندلس. لكن الذي يبدو من خلال التتبع والتدقيق أن وجهة النظر هذه ليست بصحيحة وذلك لأن الرسالة الجامعة قد أشير إليها في موارد متعددة من الرسائل، وحتى إن مؤلفي الرسائل أكدوا على أن فهم الرسائل وما جاء فيها من حقائق لا يتأتى إلا من خلال فهم ما جاء في الرسالة الجامعة، وعدوا الرسالة الجامعة مفتاحاً لوعي الرسائل من هنا نخلص إلى القول بأن رسائل إخوان الصفا هي اثنتان وخمسون رسالة بضميمة الرسالة الجامعة التي تم إلحاقها إلى هذه المجموعة من قبل إخوان الصفا أنفسهم.
والرسائل المطبوعة تشتمل على أربعة أبواب:
1- باب خاص بالرياضيات، ويشتمل على أربع عشرة رسالة في موضوعات من قبيل العدد الهندسة النجوم الجغرافيا الموسيقى النسبة العددية والهندسية العلمية الصنائع العملية، الأخلاق المنطق.
2- باب خاص بالطبيعيات ويشتمل على سبع عشرة رسالة في الهيولى الصورة، حركة الزمان والمكان السماء والعالم الكون والفساد، الآثار العلوية المعادن الطبيعية النبات الحيوان الجسد الحاس والمحسوس، مسقط النطفة الإنسان عالم صغير النفوس البشرية طاقة الإنسان في العلوم حكمة الموت والحياة، لذائذ الموت اختلاف اللغات والخطوط.
3- باب العقل، ويشتمل على عشر رسائل في مواضيع هي كالآتي: مبادئ الموجودات العقلية على مذهب الفيثاغوريين المبادئ العقلية على مذهب إخوان الصفاء عالم الإنسان الكبير العقل والمعقول الأدوار والأكوار، العشق البعث والقيامة، أجناس الحركات والعلل والمعلولات الحدود.
4- باب القانون الإلهي، ويشتمل على إحدى عشرة رسالة في الموضوعات التالية: الآراء والديانات ماهية الطريق إلى الله، اعتقادات إخوان الصفاء معاشرة إخوان الصفا، ماهية الناموس الإلهي وشرائط النبوة كيفية الدعوة إلى الله كيفية أحوال الروحانيين، أنواع السياسات كيفية نضد العالم السحر العزائم.