واشنطن والكورد في سوريا بين الشراكة والخيانات السياسية

زينه عبدي

يبدو أن حلقات المسلسل الأمريكي في سوريا لم تنته بعد لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية التي تمر بها البلاد على وجه الخصوص في روجآفايي كوردستان (شمال شرق سوريا). واشنطن اليوم تعيد ترتيب منهجية وجودها على الأرض بما يتلاءم مع نفوذها ومصالحها حيث أولويتها. وبوصف الملف السوري والقضية الكوردية تعدان جزءً من الهندسة السياسية لدى واشنطن في المنطقة، غالباً ما نشهد إعطاءهما الأولوية في إطار الحوار والمناقشة كما سيحصل اليوم في جلسة الكونغرس الأمريكية على ما أعتقد. في الوقت الراهن، لا يمكن عزل القضية الكوردية عن أي طاولة حوار دولية لا سيما الأمريكية منها رغم تخلي واشنطن الصريح عن حلفائهم الكورد في الآونة الأخيرة، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول إدخال الاتفاق الاستراتيجي مع الكورد في هذه اللحظة المفصلية ليس في محطة مشوبة بالبراغماتية بعيداً عن إطار التعاون وتوازن التفاهمات فحسب، بل السعي لعقد شراكات مع السلطة الانتقالية في سوريا مواءمةً لواقع النفوذ المتبدل وإعادة هندسة التعهدات من جديد على حساب شريكهم الكوردي الذي كان ولا يزال الأشد نجاعة في محاربة أعتى التنظيمات الإرهابية. هنا السؤال الأبرز: هل واشنطن صادقة في تعاملها مع الكورد الآن، في عصر صار فيه انتهاك الوفاق والطعن في التحالفات عناصر حيوية في التخطيط الاستراتيجي بين أي طرفين، تحقيقاً لمصالحها؟

الاستنزاف بعد شراكة

خلال الفترة الأخيرة بدأت واشنطن بتخفيف التزاماتها تجاه قوات سوريا الديمقراطية(قسد) والكورد والحد التدريجي من الانخراط العسكري في المنطقة وفقاً للخريطة السياسية الأمريكية التي يتولاها ترمب بذريعة انتهاء مهمتها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. هذا القرار الأمريكي لا يعتبر مجرد حدث عابر لم يحقق مكاسب استراتيجية فحسب، بل هو خطة ومنهجية ذات إطار تكتيكي قديم وطَموح.

التراجع الذي قامت به واشنطن في روجآفايي كوردستان من خلال تقليل الدعم على المستوى العسكري لقسد بهدف إفساح المجال للسلطة الانتقالية في دمشق للعمل تحت رقابة دولية متعددة الأطراف، وهذا ما حصل بعد الاتفاق الأخير المبرم بين دمشق وقسد حيث إدخال القوات التابعة للسلطة الانتقالية لمناطق الحسكة وقامشلو ذات الغالبية الكوردية بحجة صيغ تفاوضية مشتركة بين الطرفين، ما يعكس بصورة مباشرة تداعيات فعلية لهذا التراجع مقابل معالجة الأزمة ضمن رؤية سياسية تحليلية وشاملة ومعمقة ذات أبعاد استراتيجية أوسع وفقاً للتغيرات الميدانية والتفاعلات الدولية.

الشراكة بين واشنطن وقسد كانت خطة ممنهجة لإنهاء الوجود الفعلي للمنظومة الإرهابية حسب تقييم الاحتياج آنذاك وبتكتيكات مؤطرة بمعايير معينة ودقيقة بمنأى عن أية وعود لدعم الحقوق الكوردية واستحقاقاتهم الدستورية في سوريا. استثمرت واشنطن دعمها لقسد وحولته لورقة ضغط سياسية ليس فقط على قسد بل على الكورد جميعهم بغية الدمج وخلق دولة سوريا موحدة ذات سيادة لا سيما بعد التغيرات في الداخل السوري على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، ما خلق لدى الكورد تحليلاً واضحا وصريحا بالتخلي عنهم رغم التضحيات والشراكة الحقيقية التي قدموها خلال الأعوام الماضية واستخدامهم كوثيقة استراتيجية للتفاهم والتفاوض، ما يعطي انطباعا صريح الدلالة وملموس النتائج يفيد بأن الكورد باتوا فضاءً للمسارات التفاوضية والتوافقات التدريجية من قبل واشنطن.

الخيار الأمريكي لدعم الكورد

ىعيداً عن أي صدام مباشر مع السلطة الانتقالية في دمشق، يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية في ظل التغيرات السياسية السورية إقرار خطة شاملة يجسد المصالح السياسية والدبلوماسية والمدنية دون إلحاق الضرر بأي طرف لا سيما الكورد الذين كانوا حليفهم الحيوي والجوهري في محاربة التنظيم على مدار عدة سنوات. المسار الذي يجب أن تتبعه واشنطن هو توفير الحماية الكاملة لقسد كما السابق تقديرا لجهودها عبر الضغط على السلطة الانتقالية لدسترة حقوق الكورد السياسية والقومية والثقافية، وتقديم الدعم المتكامل على المستوى الاستشارات والإعداد الاستخباراتي لقوات سوريا الديمقراطية للحفاظ على خصوصيتها حتى لو دُمجت مع الجيش السوري الجديد على هيئة ألوية وفرق.

بالتوازي مع مواءمة السياسات التي تتبعها التحالفات الإقليمية والدولية، ينبغي على واشنطن حماية الكورد في المناطق الكوردية عبر تحقيق الاستقرار من خلال خطط استراتيجية وبرامج تنموية ومبادرات سياسية بشكل مستدام ضمن الأطر القانونية والدستورية في سوريا الجديدة بإشراف دولي وبالتنسيق مع السلطة الانتقالية بصورة تحمي المكون الكوردي من أي انتهاك بإمكانه الإطاحة بأي اتفاق مسبق بين الطرفين، ما سيشكل تهديدا مباشراً على المصالح الكوردية السورية في الداخل السوري وبالتالي فقدان المصداقية حول ما تدعيه واشنطن على الدوام فيما يتعلق بالقضية الكوردية في سوريا.

لاحقاً، ثمة دعم واضح من أعضاء الكونغرس الأمريكي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإنقاذ وصون الكورد عبر سن قوانين تحت مسمى “قانون إنقاذ الكورد” الذي أفصح عنه السيناتور ليندسي غراهام وريتشارد بلومنثال ينص على فرض العقوبات على أي طرف يمس الكورد وقضيتهم ليس فقط في سوريا فحسب بل في العالم أجمع. لكن، هل هذه التحركات كافية لدعم الكورد في نيل حقوقهم السياسية والقومية في سوريا؟

بات التخاذل الأمريكي واضحاً تجاه الكورد لا سيما بعد الإعلان عن رفع عقوبات قيصر أو تعديلها بما يتناسب مع السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا رغم ربطه بقيود معينة حول حماية المكونات ومن بينهم الكورد، لذا الإقرار التام بهذا الطرح سيفرض على الكونغرس إطاراً رقابياً لضمان عدم الانزلاق الأمريكي عن التزاماتها تجاه الكورد في روجآفايي كوردستان التي حاولت قادة إقليم كوردستان(باشورى كوردستان) أيضاً، ولا تزال، لضمان استمرارها من خلال التأثير عبر القنوات غير الرسمية لا سيما بعد أحداث الأشرفية والشيخ مقصود حيث الإبادة الكوردية لتأمين الحماية الكاملة للشعب الكوردي، بالإضافة إلى الدور الفعال والحيوي الذي يقوم به الإقليم، الذي أعتبره الشريك الحقيقي في أية معادلة من شأنها تحقيق الأمن والاستقرار للشعب الكوردي ليس فقط في كوردستان بل في العالم أجمع، بالتعاون مع المجتمع الدولي للحد من التهديدات التي يتعرض لها الكورد خاصة بعد الخطوة العملية التي أعلنها ترمب في محاولة للتخلي عن الكورد وفقاً لمصالح واشنطن الحالية والعمل مع السلطة الانتقالية.

تبقى القضية الكوردية في سوريا تحدّياً استراتيجياً أمام واشنطن حول مدى مصداقية وموثوقية الموقف الأمريكي في المنطقة برمتها، لا يمكن عزل المعايير الأخلاقية والنفوذ الجوهري الاستراتيجي عن بعضهما البعض بين الشركاء المتحالفين منذ زمن في صياغة التوازنات السياسية في المنطقة وعلى رأسهم الكورد. في ظل التغيرات الجيوسياسية المتلاحقة، يبقى المحور الجوهري للتحليل والتفكير طارحاً السؤال الأهم: هل ستطغى براغماتية أمريكا على التزاماتها التاريخية مع الكورد في روجآفايي كوردستان أم ستسلك مساراً جديداً لإعادة رسم التحالفات؟

قد يعجبك ايضا