مناف حسن
عندما تذكر التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما ما جرى في روژآفا يبرز اسم الرئيس مسعود البارزاني بوصفه أحد أبرز الفاعلين الذين لعبوا دوراً محوريا في منع انزلاق الأوضاع نحو كوارث أكبر كان يمكن أن تطال الشعب الكوردي في أكثر من جزء من كوردستان.
لم يكن دور البارزاني مجرد موقف سياسي عابر، بل كان نتاج رؤية استراتيجية طويلة المدى، قائمة على قراءة دقيقة لتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وفهم عميق لسياسات الدول الأربع التي تتقاسم جغرافية كوردستان. هذه القراءة جعلته يتحرك بعقلانية وبراغماتية، معتمدا شبكة علاقات دولية متوازنة، الأمر الذي ساهم في تخفيف حدة الصراعات ومنع وقوع مجازر واسعة كان يمكن أن تغير مصير المنطقة بأكملها.
في خضم حرب روژآفا، كانت احتمالات الانفجار الشامل قائمة، وكان خطر انتقال الصراع إلى مناطق أخرى من كوردستان واقعياً. غير أن سياسة التهدئة، والوساطات، ومحاولات تقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية المختلفة، شكلت سداً أمام الانزلاق إلى اقتتال داخلي طالما سعت قوى عديدة إلى إشعاله. وقد اظهر البارزاني في أكثر من محطة استعداده لتقديم تنازلات سياسية، حتى على حساب نفوذ حزبه أو موقعه، من أجل الحفاظ على وحدة الصف الكوردي ومنع الفتنة، سواء في علاقته مع الاتحاد الوطني الكوردستاني أو مع حزب العمال الكوردستاني pkk .
كما أن موقفه الثابت من حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ظل عنصراً أساسياً في خطابه السياسي. فهو يؤكد باستمرار أن قيام الدولة الكوردية مسألة حق تاريخي وقانوني، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن تحقيق هذا الهدف مرتبط بظروف دولية وإقليمية لم تنضج بعد، ما يعكس واقعية سياسية لا تنفصل عن الايمان بالمستقبل.
إن ما يميز تجربة مسعود البارزاني ليس فقط دفاعه عن حقوق الكورد، بل سعيه الدائم لإيجاد توازن بين الثوابت القومية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن التعامل الجاد معه من قبل الدول التي يعيش فيها الكورد على أرضهم قد يفتح الباب أمام حلول أكثر استقرارا وعدلا، لان تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب لا يؤدي إلا الى استمرار التوتر وعدم الاستقرار، كما أثبتت تجارب عديدة في المنطقة.
لهذا كله، يصبح السؤال مشروعاً ،، لماذا مسعود البارزاني؟
والجواب ببساطة لأنه يمثل نموذجا لقيادة تجمع بين الحلم القومي والحسابات الواقعية، بين الدفاع عن الحقوق ومنع الانهيار، وبين الإيمان بالمستقبل والعمل ضمن شروط الحاضر…..