لماذا تُصرّ السياسة على وصف الإدارة الذاتية بـ«المؤقتة»؟

سالي علي

حين يتحوّل الزمن إلى أداة ضغط على الكورد

ليست كلمة «مؤقتة» توصيفًا إداريًا بريئًا، ولا مجرّد احتراز لغوي في وثيقة سياسية. في التجربة الكوردية في شمال وشرق سوريا، تتحوّل هذه الكلمة إلى أداة حكم غير معلنة، تُستخدم لتقييد الحاضر والتحكّم بالمستقبل في آنٍ واحد.

ففي السياسة، ما يُوصَف بأنه مؤقت لا يُعامَل كحق، بل كاستثناء.
وما يُصنَّف كمرحلة انتقالية، يبقى قابلًا للإلغاء، حتى لو طال الزمن، وحتى لو تحوّل على الأرض إلى واقع متكامل.

من هنا، لا تُفهم تسمية «الإدارة الذاتية المؤقتة» خارج منطق إدارة الصراع لا حلّه. إنها صيغة تُطمئن الخارج أكثر مما تُعبّر عن الداخل، وتُخاطب هواجس الدول أكثر مما تعكس تضحيات المجتمع الذي أنشأ هذا الكيان بدمه وتنظيمه وقدرته على الصمود.

سياسيًا، تخدم كلمة «مؤقتة» ثلاث دوائر ضغط:
الأولى، طمأنة الدولة السورية بأن المشروع لا يهدد مركزية الدولة نهائيًا.
الثانية، تحييد الحساسية التركية تجاه أي كيان كوردي مستقر.
الثالثة، منح القوى الدولية هامش تعامل وظيفي مع الإدارة، من دون تحمّل كلفة الاعتراف أو الالتزام طويل الأمد.

لكن ما يُقدَّم كتكتيك خارجي، يُدفع ثمنه داخليًا.

فعندما يعيش مجتمع كامل ضمن مؤسسات أمنية وتعليمية وخدمية، ويدافع عنها في مواجهة داعش والهجمات والفراغ، ثم يُقال له إن كل هذا «مؤقت»، فإن الرسالة غير المعلنة تكون واضحة:
لا ضمانة للمستقبل، ولا اعتراف بالتراكم، ولا حماية سياسية لما بُني.

هنا لا يعود الخلاف حول المصطلح، بل حول المعنى العميق للزمن في التجربة الكوردية.
هل يُسمَح للكورد فقط بإدارة اللحظة، لا بصناعة المستقبل؟
وهل يُراد لهذا الكيان أن يبقى في حالة انتظار دائمة، مهما ترسّخ على الأرض؟

المفارقة أن الإدارة الذاتية، من حيث الواقع، تجاوزت بكثير معنى «المرحلة الانتقالية». فهي ليست فراغًا مؤقتًا ولا سلطة طارئة، بل نظام حياة كامل نشأ تحت النار، وفرض نفسه بوظائف الدولة حين غابت الدولة. ومع ذلك، يُصرّ الخطاب السياسي على إبقائه في خانة «ما قبل الاعتراف».

وهنا تكمن الخطورة:
أن تتحوّل «المؤقتة» من درع تكتيكي إلى قيد سياسي،
ومن أداة بقاء إلى ذريعة نزع شرعية في أي مفاوضات مقبلة.

التاريخ يُعلّمنا أن الحقوق التي لا تُسمّى بأسمائها، تُؤجَّل ثم تُفرَّغ.
والمشاريع التي تُدار بلا أفق سياسي واضح، تصبح عرضة للمقايضة حين تتغيّر موازين القوى.

لذلك، لا يكفي الدفاع عن الإدارة الذاتية كواقع أمني أو خدمي،
بل المطلوب طرح سؤال أكثر جرأة:
إلى متى يبقى المشروع الكوردي في سوريا مُعلَّقًا لغويًا، بينما يُطالَب بدفع أثمان سياسية كاملة؟

ويزداد هذا القلق تعقيدًا مع الاتفاقات الأخيرة التي طُرحت تحت عناوين “الدمج” و“توحيد المؤسسات” و“إعادة بسط السيادة”. فعلى الورق، يبدو الدمج مسارًا إداريًا أو أمنيًا طبيعيًا، لكنه في جوهره اختبار سياسي لمكانة الإدارة الذاتية:
هل هي شريك يُدمَج مع الحفاظ على خصوصيته وحقوقه، أم كيان مؤقت يُعاد تفكيكه تدريجيًا تحت ضغط التوازنات الدولية؟

الخبرة الكوردية مع هذا النوع من الاتفاقات تُظهر أن الغموض المتعمَّد ليس صدفة. فغياب الضمانات الدولية الواضحة، وربط مستقبل الإدارة بمسارات تفاوض أوسع لا يكون للكورد فيها وزن حاسم، يحوّل “الدمج” من أداة تنظيم إلى أداة احتواء. ومع تصاعد الضغوط الدولية لإغلاق “الملفات العالقة” في سوريا، تصبح الإدارة الذاتية واحدة من أكثر الملفات عرضة للمقايضة، لا لأنها ضعيفة على الأرض، بل لأنها بلا اعتراف يحميها على الطاولة.

في هذا السياق، تعود كلمة “مؤقتة” لتؤدي أخطر أدوارها:
أن تُستخدم كمبرّر سياسي لتأجيل الحقوق، وتخفيف السقف التفاوضي، وإعادة تعريف التضحيات بوصفها مرحلة انتهت صلاحيتها. وهنا لا يكون الخطر في الدمج بحد ذاته، بل في دمجٍ يتم من موقع هشّ، وتحت ضغط دولي، ومن دون تثبيت واضح للحقوق القومية والسياسية للكورد ضمن أي صيغة نهائية.

فما بُني بالتضحيات لا يجوز أن يُدار بمنطق الانتظار.
وما صمد في وجه الإلغاء، لا يجب أن يُقدَّم للعالم كحالة مؤقتة قابلة للمحو.

قد يعجبك ايضا