د. محمد صديق خوشناو
في بلدٍ يُصنَّف من بين الأغنى بالموارد، بات الجوع حقيقة يومية، لا بسبب شحّ الثروة، بل بسبب غياب الإدارة العادلة لها. فتأخير الرواتب لم يعد خللًا عابرًا، بل أصبح علامة واضحة على فشل الدولة في أداء أبسط واجباتها تجاه مواطنيها.
المشهد أكثر قسوة في إقليم كردستان، حيث لا يزال موظفو الإقليم ينتظرون رواتبهم، وسط عدم الالتزام بدفع مستحقات شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام الماضي، ما وضع آلاف العائلات أمام ضغوط معيشية خانقة، وأفقد الناس ثقتهم بالوعود المتكررة.
المفارقة الصارخة أن هذا الواقع يتزامن مع خطابات رسمية عن موازنات ضخمة ووفرة مالية، فيما المواطن يُترك وحيدًا في مواجهة الغلاء، والإيجارات، وتكاليف الحياة المتصاعدة. تُؤجَّل الرواتب، لكن الامتيازات تبقى مصونة، والتقشف لا يقترب من أصحاب القرار.
المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة، والموظف الذي لا يكفي راتبه أيامًا معدودة، يعيشان القلق ذاته: انتظار بلا أفق، وصمت رسمي لا يليق بدولة تُفترض بها الرعاية لا الإهمال.
ما يعانيه العراقيون اليوم ليس أزمة أموال، بل أزمة إدارة وعدالة وثقة.
فالدولة التي تعجز عن دفع الأجور في وقتها، تعجز قبل ذلك عن صون كرامة مواطنيها.
وعراق الثروة سيبقى جائعًا، ما لم تُسترد الدولة من الفشل، وتُعاد الثروة إلى أصحابها الحقيقيين.