تأمـــّـــلات في ذكرى الإمام الحسين ع

( الدكتور ياسين الزيباري )

لقد ظهر على الكرة الأرضية منذ الخليقة وإلى يومنا هذا ألوف الملايين من البشر ، من العلماء والجهلاء ، والفقراء ، والأغنياء ، والأمراء ، والرؤساء ، والطغاة والظالمين ، والمظلومين ، والحكام والمحكومين ، والسعداء والأشقياء ، والأكاسرة والجبابرة ، وأهل العدل والجور ، فمن الذي خلدهم التأريخ ، وبقي ذكرهم في الخير والشر ، ومن الذي فرح العالم بهلاكه ومن الذي يبكي العالم كل يوم على فراقه ، وهل يأخذ أهل هذا الزمان الدرس من سابقيهم ، تذكر أيها الحي كيف سيذكرك الآخرون بالخير أم بالشر ، وهل ستـفتخر بك الذرية بعد مئات السنين أم يخجلون أمام الناس حينما يذكر إسمك في مجلس من المجالس أو يدون في كتب التأريخ ، من هذا المنطلق نأخذ العبرة من ذكرى إستشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين ، ( ت 61 هـــــ ) ، ( رضي الله عنه ) ففي كل سنة تتجدد الذكرى ، وكل له حصة من هذه الذكرى وهل هناك كاتب أوشاعر ، أو مؤرخ ولم يمر بقلمه على هذه الذكرى ، وقد يقول قائل : ما الذي ستكتبه وقد كتبت عنه ألوف الصفحات كل بطريقته الخاصة ، فنقول : وهل يصبح الماء غوراً ، وهل يجف ماء زمزم ، وهل يبقى يوم لايحتاج الإنسان إلى الماء ، فكل ينهل من أنوار سيدنا الحسين بطريقته الخاصة وتتجدد الذكرى لأن الأحداث التي مـــَـــر َّ بـــــها الإمام تتجدد كل سنة ، الوالد الذي فقد فلذة كبده في هذا اليوم يبكي ، والولد الذي فجع بأمه وهوطفل صغير يتذكر فراق الأم ، و يتحرق إلى لقائها ، والإبــن الكبير الذي فقد والده يبكي كالأطفال ، فحنان الأبوة لا تـــعرف العمر ، والزوجة التي فقدت زوجها ظلما ً وعدواناً ، تتألــــَّـــــم و تئن كل ليلـــها ، بهذه الذكرى ، والشاب الذي حرم من متاع الحياة وزهرة الشباب في مقتبل العمر يتأوّه بالمصيبة ، وصاحب العزيمة يستلهم من الذكرى كل أنواع الصبر والثبات مهما كثر الخبث والفساد ، والمظلوم لايخضع للظالم مهما قويت شوكته أو بقي منفردا ً في الصف ، نتذكر المقابر الجماعية التي لم ترحم الطفل والأم والعجوز والشيخ المسن ، عبر التأريخ ، [ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ – النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ – إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ – وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ – وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ … ] ( سورة البروج ، 4-8 ) قيل للإمام ماذا تفعل أمام هذه القوة والعدد فقال : لن أخضع للظلم ولو لم يكن معي في الأرض غيري ، و نستلهم أن القائد هو الضحية دائما ً ، وتخلــــّـــــي أغلب الذين حوله عنه في ساعة العسر ، فمن الذي بقي مع القائد حتى الموت ، فعند الطمع كثيرون ، وعند الفزع قليلون ، فلو لم يكن بهذه الصلابة والإستشهاد من أجل المبادئ لم يكن بهذه العظمة وإحياء الذكرى كل سنة ، كم إنسان تمتع بجميع المتع وأصبح هباءً منثوراً ، وقال نزار قباني :
إذا كان الأنبياء يقتلون من أجل رأي فلماذا لايقتل الشعراء
وقال الشاعر رمزي عقراوي عن الإمام الحسين :
كل العمر تنشد
مظلومية الحسين
ولاتثور مثله ( مظلومية الحسين ، ص 38 )
يبقى السؤال …؟؟؟ أين نحن من الإمام الحسين ..؟؟؟ إن المحب لمن يحب مطيع ، هل نسير على نهجه في العفة ، و الشرف ، و الطهر ، و العفاف ، في الصدق ، والكرم ، والشجاعة والإقدام ، والنخوة ، والتواضع ، والتعاون ، والإيثار ، وحب الآخرين ، والتآلف والتودد ، والزهد ، هل تمر الذكرى بكل عبور وهدوء دون أن نــــطـــهــــّــــر أجسادنا ، وقلوبنا ، وعقولنا ، وألسنتنا ، وبطوننا من الرجس والحرام ، كن مثل الحسين في كل هذه الصفات ، حينها تكون محبا ً للحسين .

قد يعجبك ايضا