ابتسام عبد الله.. صوت الثقافة العراقية بين الترجمة والإعلام والسرد الروائي

محمد علي محيي الدين

تُعد ابتسام عبد الله الدباغ واحدة من أبرز الأسماء النسوية في المشهد الثقافي العراقي المعاصر، إذ جمعت في مسيرتها بين الصحافة والإعلام والترجمة والإبداع الروائي، فكانت مثالاً للمثقفة الموسوعية التي سخّرت معرفتها لخدمة الثقافة العراقية والانفتاح على آداب العالم وتجارب شعوبه. وقد امتدت رحلتها الإبداعية لعقود طويلة، تركت خلالها أثراً واضحاً في الحياة الثقافية والإعلامية، وأسهمت في بناء جسور التواصل بين الأدب العربي والآداب العالمية.
وُلدت ابتسام عبد الله في مدينة كركوك سنة 1943 أو 1945 بحسب بعض المصادر، ونشأت في بيئة عراقية متعددة الثقافات، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعيها المبكر وإثراء تجربتها الإنسانية والفكرية. تلقت دروسها الأولى في كركوك والموصل، قبل أن تنتقل إلى بغداد حيث واصلت دراستها العليا في معهد المدرسين العالي بجامعة بغداد، قسم اللغة الإنجليزية، لتتخرج عام 1964 بدرجة امتياز، وهي بداية مبكرة كشفت عن تفوقها العلمي وشغفها باللغة والأدب.

Screenshot

ومنذ سنوات شبابها الأولى، أدركت أن الثقافة ليست مهنة فحسب، بل رسالة ومسؤولية اجتماعية. لذلك اتجهت إلى العمل الصحفي والإعلامي، فشغلت مناصب متعددة في مؤسسات الدولة الثقافية والإعلامية. عملت رئيسة لقسم الأخبار والترجمة في تلفزيون بغداد، وتولت مسؤولية قسم الأفلام، قبل أن تُعيَّن عام 1968 في المؤسسة العامة للصحافة رئيسة لقسم المتابعة، لتواصل بعد ذلك مسيرتها المهنية محررة ومترجمة في مجلة «ألف باء» الأسبوعية منذ عام 1969، ثم في جريدة الجمهورية، حيث أثبتت حضورها المهني وقدرتها على الجمع بين الدقة الصحفية والرؤية الثقافية الواسعة.
وبرز اسمها لدى الجمهور العراقي من خلال البرامج التلفزيونية التي قدمتها، وكان أشهرها برنامج «سيرة وذكريات» الذي استضافت فيه شخصيات فكرية وأدبية بارزة، فغدا نافذة ثقافية مهمة توثق الذاكرة العراقية وتستعيد تجارب المبدعين والمفكرين. كما قدمت برنامج «نافذة على العالم» الذي عكس اهتمامها بالثقافات الإنسانية المختلفة، وإيمانها بأن المعرفة الحقيقية تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
ولم تتوقف إسهاماتها عند الإعلام والصحافة، بل امتدت إلى الترجمة الأدبية التي وجدت فيها وسيلة للتقريب بين الحضارات. فقد نقلت إلى العربية أعمالاً عالمية مهمة، من بينها مذكرات المناضل اليوناني ميكيس ثيودوراكيس، وكتاب «أنجيلا ديفيس: سيرة ذاتية»، فضلاً عن مشاركتها المترجمة أمل الشرقي في ترجمة كتاب «يوميات المقاومة في اليونان». كما عُرفت بترجمتها لأعمال أدبية عالمية بارزة، ومنها رواية «في انتظار البرابرة» للكاتب الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل جي. إم. كويتزي، لتؤكد عبر هذه الترجمات إيمانها العميق بأن الأدب لغة إنسانية مشتركة تتجاوز الحواجز كافة.
أما في ميدان الإبداع السردي، فقد قدمت أعمالاً روائية وقصصية تركت بصمتها في الأدب العراقي الحديث. صدرت لها رواية «فجر نهار وحشي» عام 1984، ثم رواية «ممر إلى الليل» عام 1986، وتوالت إصداراتها الروائية لاحقاً، حتى أصبحت روايتها «بلاد ما بين النهرين» من أبرز أعمالها الأدبية. وقد اتسمت كتاباتها بحضور الأسئلة الإنسانية الكبرى، وبتناولها قضايا المرأة والتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العراق، فامتزج في نصوصها الهم الفردي بالهم الجمعي، والذاتي بالوطني.
كما نُشرت بعض قصصها القصيرة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، الأمر الذي أتاح للقارئ الأجنبي التعرف إلى جانب من الأدب العراقي الحديث. ومن القصص التي لاقت اهتماماً خاصاً قصة «في الحديقة» التي ترجمها المستعرب المعروف دنيس جونسون ديفيز، وقصة «الحضانة» التي ظهرت في منشورات أدبية عالمية، مما منح أعمالها حضوراً يتجاوز الحدود المحلية.
وكانت ابتسام عبد الله عضواً في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، كما انتُخبت عضواً في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين لثلاث دورات متتالية بين عامي 1984 و1990، وهو ما يعكس مكانتها المهنية والثقافية وثقة الوسط الأدبي والإعلامي بها. وفي عام 2001 تولت رئاسة تحرير مجلة «الثقافة الأجنبية»، وهي المجلة العراقية المتخصصة في التعريف بالآداب والثقافات العالمية، وقد أدارتها بكفاءة عالية حتى توقفت عن الصدور بعد أحداث عام 2003.
عُرفت الراحلة بحكمتها الإنسانية ونظرتها المتفائلة للحياة، وكانت ترى أن مهمة الإنسان تكمن في تحويل لحظات الخوف والذعر إلى طمأنينة وأمل. كما عُرف عنها دفاعها عن المرأة وحقها في التعبير والإبداع، ولها قول شهير يعكس رؤيتها النقدية للعلاقات الاجتماعية: «لا يبدو الرجل دائماً أذكى من المرأة، لأنه منذ البدء أحكم الحصار حولها وجلس مستريحاً».
وفي السابع من آذار/مارس 2023، رحلت ابتسام عبد الله عن عمر ناهز الثمانين عاماً، تاركة وراءها إرثاً ثقافياً غنياً يمتد بين الترجمة والصحافة والرواية والإعلام. وبرحيلها فقدت الثقافة العراقية واحدة من أبرز أصواتها النسوية التي آمنت بالكلمة الحرة والمعرفة المستنيرة، غير أن أعمالها ستظل شاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء، وحاضرة في ذاكرة الأجيال بوصفها نموذجاً للمثقفة التي جعلت من الأدب جسراً للحوار الإنساني ومن الثقافة رسالة حياة.

قد يعجبك ايضا