المطر الذي يسكن النافذة

منذر أبو حلتم

ها أنت تقف قرب النافذة، كأنك حجرٌ ثابت في غرفة يلتفّ حولها الزمن. المطر يهطل بلا هوادة، يطرق الزجاج كمن يريد أن يُوقظك من غفلةٍ طويلة. الهواء بارد، والسماء ملبدة، وكل ما في الخارج يبدو كلوحة رسمها فنان متعب.

في الداخل، المكتبة العتيقة تئنّ تحت ثقل كتبٍ ما عادت تُقرأ، بعضها مفتوحٌ على صفحات صفراء، وبعضها مطبق كأفواه مغلقة على أسرارها. على الطاولة القريبة، فنجان قهوة نصف ممتلئ برد منذ ساعات، يتجاور مع كوب شاي دافئ تحمله بيدٍ مرتجفة. في زاوية الغرفة، تمثال صغير من حجر باهت يراقبك بعينين جامدتين، كأنه يعرف كل شيء.

دقات ساعة الحائط تملأ المكان، لا كإيقاعٍ للوقت، بل كأنها تُعيد عليك جملة قديمة لا تريد أن تسمعها. وجهاز التسجيل العتيق يرسل صوت أم كلثوم وهي تجرّ صوتها كأهدابٍ طويلة في صمت الليل:

يسهر المصباح .. والأقداح .. والذكرى معي ..

وعيون الليل .. يخبو نورها .. في أدمعي“.

فيرتجف قلبك للحظة.

تطلّ من النافذة على الحي القديم. الحديقة في الأسفل تزداد بللاً، أشجارها تهتز كأيدٍ متعبة. المقاعد الخشبية هناك فارغة إلا من قطرات المطر التي ترسم وجوهًا عابرة، ثم تمحوها. المارة يركضون بسرعة، مظلاتهم السوداء كأجنحة خفافيش تفرّ من الضوء.

تمدّ يدك نحو الزجاج، فتتكثّف عليه قطرات أكبر، واحدة منها تعكس وجهك المرهق. تتأمل نفسك طويلاً، حتى يخطر لك أنها ليست صورتك أنت، بل صورة أخرى، وجه صبي صغير يضحك ببراءة وهو يركض تحت المطر. وتدرك فجأة أن المطر لم يأتِ وحيدًا، لقد جرّ معه ذكرياتك الأولى.

الشارع الذي غمرته الآن مياه المطر ليس غريبًا عنك؛ هو ذاته الذي كان يبتلّ تحت قدميك الصغيرة يوم كنت تركض بلا خوف، والسماء تصبّ عليك خيرها كأنها أمّ رؤوم.

كنت تركض مع رفاقك خلف كرةٍ من قماشٍ مبتل، تتحول إلى طينٍ في كل خطوة، ومع ذلك كنتم تضحكون حتى يتفتّت الهواء من حولكم.

الحيّ القديم… بيوته كانت أكثر تواضعًا مما تراها الآن من نافذتك، لكن دفئها كان يكفي ليجعل كل حجرٍ فيها حيًا.
أبواب خشبية لا تُغلق أبدًا في وجه أحد، جدران متشققة تحمل كتاباتكم الطفولية: أسماء محفورة بالمسامير، قلوب صغيرة وسهام.

وفي طرف الحديقة، هناك الشجرة الكبيرة التي كنتم تتسلقونها واحدًا بعد آخر، حتى صارت تُشبه جدة عجوز تعرف أسراركم جميعًا.

تلمع صورة وجه أمك في ذاكرتك:

كانت تقف عند الباب، تلوّح لك بيدها نصف غاضبة ونصف مبتسمة.

كنتَ تظن أنها لا تفهم لذة اللعب تحت المطر، لكنك تدرك الآن أنها كانت تخشى فقط أن يأخذك الزمن منها بسرعة.

صوت الساعة في الغرفة يعود ليخترق المشهد.

تفتح عينيك ببطء، فإذا بك لا تزال عند النافذة، كوب الشاي يتصاعد منه بخار خفيف، والمارة يركضون في الخارج.

لكن داخلك، أنت ما زلت ذاك الصبي، تركض حافيًا في طرقات غمرتها المياه، وتضحك حتى يتعب قلبك الصغير.

البرق يومض، كأن السماء نفسها أرادت أن تضيء لك صفحة أخرى من عمرك.

في انعكاس النافذة، لا ترى وجهك هذه المرّة، بل وجهها

تلك التي التقيتها أول مرة في كافتيريا الطلبة في الجامعة ..في يوم ماطر يشبه هذا اليوم .

كانت تمسك كتابًا سميكًا، وتهزّ قدمها بخفة، بينما المطر يقرع الزجاج بجانبها.

جلستَ يومها إلى الطاولة المقابلة، تتظاهر بأنك تقرأ، لكنك لم تكن ترى غير ابتسامتها الخجولة، وصوتها حين طلبت “شاي بالنعناع“.

ذلك الصوت ما زال يرنّ في أذنك، صافياً، كما لو أن الزمن لم يجرّ عليه غربته.

تتذكر كيف كنتما تسيران معًا تحت مظلة واحدة، والشارع غارق بالماء.

يدك تمسّ يدها صدفة، فتشعر أن المطر كله انحنى ليشهد تلك اللحظة.

لم تكن الكلمات كثيرة، لم تكن تحتاجانها أصلاً؛ كانت العيون تفعل كل شيء، وكان المطر يترجم ما يعجز اللسان عن قوله.
لكن الفصول تغيّرت.

هي ابتعدت، أو أنت ابتعدت، لا فرق.

كل ما تعرفه أن كافتيريا الجامعة ما زالت موجودة حتى اليوم، والطاولة ربما ما زالت هناك، تتذكركما بصمتٍ لا يحتمل.

وأغنية أم كلثوم التي تملأ غرفتك الآن، هي ذاتها التي كنتما تستمعان اليها معا .. في مساءات تشبه هذا المساء.

تزداد دقات ساعة الحائط بطئًا، كأنها لم تعد تعدّالوقت بل تعُدّ الغياب.

تلتفت نحو التمثال الحجري في زاوية الغرفة؛ عيناه جامدتان، لكنك تراها تمتلئ بالحنين. شيءٌ في صمته يذكّرك بذاك الوجه الذي افتقدته… وجه أبيك.

تعود صورتُه واضحة، يجلس على الكرسي الخشبي القديم في الحديقة، مظلته بجانبه، وسيجارته تحترق بين أصابعه.
كان المطر بالنسبة له موسيقى لا تنتهي، وكان يقول لك دومًا: “اسمع يا ولدي، المطر ليس ماءً فقط… إنه ذاكرة السماء.”
كنت تضحك من عبارته، واليوم تفهم أنه كان يحدّثك عن الحياة كلها.

ثم يجيء وجه آخر، وجه صديقك الذي رحل مبكرًا.

تتذكر ضحكته الصاخبة، خطواته السريعة، وكيف كنتم تركضون سويًا على الأرصفة الغارقة، غير مبالين بالعالم.

والآن، كلما رأيت المارة يهربون من المطر، تشعر أن أحدهم يشبهه، لكنك قبل أن تراه جيدًا .. يذوب في الزحام.
الغرفة تزداد صمتًا.صوت أم كلثوم يتباطأ في جهاز التسجيل، كأن الأسطوانة القديمة تختنق من التعب.

وأنت، ما عدت تعرف إن كانت الأغنية تذكرك بأحبابك، أم أن الأحباب أنفسهم صاروا أغنية ناقصة لم تكتمل.تمدّ يدك إلى فنجان القهوة البارد، ترتشف رشفة صغيرة، لكن الطعم لا يشبه القهوة؛ يشبه غيابهم.

تغلق عينيك، فيسقط المطر فجأة كستارةٍ ثقيلة، وتفهم أن السماء وحدها تبكي معك.

المطر لم يتوقف.

كل قطرة تسقط على زجاج النافذة كأنها تكتب سطرًا جديدًا من حياتك، ثم تمحوه بسرعة.

الخارج يركض: مظلات سوداء، خطوات متسارعة، وجوه لا تنظر خلفها.

والداخل يترنح: مكتبة تثقلها الكتب، تمثال صامت، فنجان قهوة برد منذ زمن، وساعة ما زالت تدقّ كما لو أنها تسخر من كل شيء.

تتأمل الحديقة الغارقة بالماء.

الأشجار تنحني كعجائز، المقاعد الخشبية تذوب في البلل، والطيور اختبأت في مكانٍ لا تعرفه.

وفجأة، يخطر لك أن حياتك تشبه تلك الحديقة: جميلة، لكنها متروكة للمطر.

صوت أم كلثوم يعلو من جهاز التسجيل، منهكًا لكنه ما زال يحتفظ بشيء من العظمة:

رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا…”

وتشعر أنك أنت الغائب العائد، وأن الذكريات ليست وراءك، بل تترصدك من الأمام.

تمد يدك، تلمس الزجاج البارد.

وجهك يتشظّى في قطرات المطر، كأنك لا تملك ملامح ثابتة بعد الآن.

وتسأل نفسك بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد:

هل أنا الذي أنظر إلى المطر؟

أم أن المطر هو الذي ينظر إليّ؟

تُطفئ سيجارتك في فنجان القهوة البارد.

تتوقف الساعة فجأة عن الدقّ.

وينطفئ جهاز التسجيل في اللحظة ذاتها، تاركًا وراءه صمتًا واسعًا يشبه فراغ السماء.

تبقى واقفًا عند النافذة.

المطر مستمرّ، لكنك تدرك أن الغيوم هذه المرة لم تعد في الخارج فقط.

لقد دخلت إلى روحك، وها أنت تذوب معها… قطرةً بعد قطرة،

كأنك أصبحت أنت المطر.

قد يعجبك ايضا