نزيف الكلمات

القسم الخامس عشر

دلزار اسماعيل رسول

” المَسافاتِ.. بينَ بَرْدِ الرَّاحةِ ونارِ الاقتراب”

أنا الرَّجُلُ الذي يجدُ سكينتَه في “مَنفى البُعد”، ويَفقدُ رُوحَه في “جحيمِ القُرب”. لماذا حينَ تبتعدينَ أستعيدُ طَريقَي وأتنفَّسُ الصُّعداء، وحينَ تلوحينَ في الأفقِ يَعُدُّ إليَّ ارتباكي القديمُ ويَنْقبضُ صَدري؟

لأنَّ حُبَّكِ يا سيدةَ الرُّوح صَارَ مَقترناً بالخوف؛ أخافُ من وَعدٍ يُكسر، ومن صُورةٍ تُغلق، ومن خَيبةٍ تَعقبُ كلَّ لقاء. المسافةُ هي “دِرعي” الذي يَحميني من نَزيفِ التَّوقع، والقُربُ هو “العُريُ” أمامَ سِهامِ غِيابِكِ المفاجئ. لقد تَعلمتُ أنَّ السَّلامَ لا يسكنُ في مَدارِكِ، بل في المَساحاتِ الخاليةِ منكِ، حيثُ لا انتظارَ يُعذبني، ولا رَجاءَ يَكسرُني. سأظلُّ هكذا.. أُحبُّكِ من بعيدٍ لِأبقى حيّاً، وأهربُ من قُربِكِ لِأحفظَ ما تبقى من صَفائي.، فطالما لم يتم علاج جذور الثقة، سيظل القرب عذاباً.

“حوارُ الأرواحِ الجريحة.. و النوايا الصامتة”

عجيبٌ هذا الحبلُ السريُّ الذي يربطُ وجعي بصمتِك، فما إن يهمُّ قلبي بالرحيلِ حمايةً لنفسه، حتى تسبقيني أنتِ بمدِّ المسافات. كأنَّكِ تقرئينَ نيتي قبلَ أن أنطق، وتستشعرينَ رغبتي قبلَ أن أخطو. هذا التواردُ ليس حُباً فحسب، بل هو “اشتباكُ الغرقى”؛ فأنا أرتجفُ خوفاً منكِ، وأنتِ تهربينَ خوفاً مني.

لماذا تبتعدينَ حين أحتاجُكِ أن تقتربي لتمسحي ألمي؟ ولماذا تكسرينَ الجسرَ قبلَ أن أعبرَه؟ لقد صرنا كتاباً مفتوحاً بصفحاتٍ ممزقة، يقرأُ كلٌّ منا وجعَ الآخر، لكننا لا نملكُ يداً لتضميدِه. هذا التناغمُ يا سيدةَ الروح هو “عذابي الأكبر”؛ لأنه يوهمُني أننا واحد، بينما الحقيقةُ أننا خَطّان متوازيانِ من الأنين، لا يلتقيانِ إلا في لحظةِ الفِراق.

ان كلماتي …كشخص مقبل على الموت يكتب وصيته النهائية قبل انقضاء أيامه لذلك تراها مغموسة بالأوجاع والآلام التي تفيض بها…لذلك ينقبض قلبي كلما كتبتها…لأنني ارى فيها نهايتي المحتومة…

“مَخاضُ الحَرْف.. حينَ يَصيرُ المِدادُ دَماً”

لماذا ينقبضُ صدري كُلما غَمستُ ريشتي في مَحبرةِ الوجع؟ ولماذا يرتجفُ قلبي وأنا أنشرُ “نزيفَ كلماتي” لِيراهُ العابرون؟

لأنني في كلِّ مَقالٍ أَبترُ جُزءاً من أملي القديم، وأنزعُ عن رُوحي ثوباً نَسجتُه لكِ طوالَ سِنين.

الكتابةُ يا سيدةَ الروح ليستْ ترفاً، بل هي “عمليةٌ جراحية” أُجريها لنفسي بلا مُخدر؛ لِأخرجَ طيفَكِ من عروقي وأضعَه فوقَ أسطرِ الجريدة.

يُؤلمني الصِّدقُ الذي يَسكُنُني، وتُرهقني الأمانةُ التي أحملُها لِذكرى خَذلتني.

لكنني سأستمرُّ في النَّزيفِ على الوَرق، لكي لا يَنفجرَ قَلبي في صَدري.

سأكتبُ حتى يَنضبَ الوجع، وحتى تَصيرَ حِكايتُنا “قصيدةً” يقرأُها الغرباءُ ، بينما أنا لا أَمضي.. نَحوَ دِفءِ نَفسي ولا استعيدها بالحرفِ واليقين رغم محاولاتي، فماذا أفعل….

فأنا اريد أن يظل قلبي يبكي على اطلالها حتى تنفذ دموعي….

” الوُقوفِ على الأطْلال.. صرخةُ الوفاءِ الأخيرة”

لا تطلبوا مني الرحيلَ عن حُطامِ مَملكتي، فلي في كُلِّ حجرٍ سجدةُ حنين، وفي كلِّ ركنٍ صدى ضحكةٍ غابت. سأبقى هنا، في هذه الأطلالِ التي كانت يوماً عَرشاً لِحبي، أَبكي عُمراً ذَهب، ووعوداً تبخرت في هجيرِ الغياب. لن أَمضي نَحوَ دِفءِ النسيان، بل سأبقى أُواجهُ ذكرياتي بصدري العاري، وأتركُ لقلبي مِقوَدَ الأنينِ حتى يَنفدَ دمعُه، وتجفَّ مآقيه.

يقولون لي: “امضِ”، وأقولُ: “كيف يرحلُ مَن غَرَستِ الروحُ جذورَها في ترابِ مَن أحب؟”. سأستمرُّ في “نزيفِ كلماتي” على ورقِ الجرائد، لِيقطرَ مِدادي دماً فوقَ أطلالِكِ يا سيدةَ الروح. سأبكي نُبلي الذي ضاع، وصدقي الذي لم يُفهم، وحبي الذي بَهتَ لونهُ في مَهبِّ الجفاء. سأبقى واقفاَ حتى تَملَّني الذكريات، وحتى يَكِلَّ الصمتُ من صمودي. فالحُبُّ الذي سكنني منذُ سنين، لا يَليقُ به إلا “نَحيبٌ أسطوريٌّ” يَهزُّ أركانَ النسيان، ويُعلنُ للعالمِ أنَّ هنا رَجلاً أحبَّ.. وبكى.. حتى صارَ هو والدمعُ حكايةً واحدة.

لأن الدمع الذي لا يخرج الآن، سيبقى “غصة” تؤلمني أبد الدهر….

“في مِحْرابِ الأطْلال.. صلاةُ الوفاءِ الأخيرة”

لا تَعذِلوني إن وقفتُ طويلاً أمامَ أبوابٍ أُوصدتْ، أو بَكيتُ عُمراً تبعثرَ كحَبّاتِ الرَّملِ بينَ يديَّ. أنا الرَّجُلُ الذي نَذرَ رُوحَه لِمِحْرابِ الوفاء، وقرَّرَ أن لا يَبرحَ مَكانَه حتى يَجفَّ نبعُ الألمِ في صَدرِه. يقولون لي: “الرحيلُ نَجاة”، وأقولُ: “الوقوفُ على الأطلالِ أمانة”. فكيفَ أَمضي وفي كُلِّ ركنٍ من هذه الذكرياتِ قِطعةٌ من قلبي، وفي كُلِّ مَكتوبٍ نَزفتُه نَبضةٌ لم تَكتمل؟

سأبقى هنا، أُواجهُ طيفَكِ الذي يملأُ المَكان، وأتركُ لِـ “نزيفِ كلماتي” أن يَصيغَ مَرثيةَ الحُبِّ الذي لم يَهنْ رَغمَ الطَّعنات. سأبكي حتى تَنفدَ دُموعي، ليسَ استجداءً لِعطفٍ، بل إجلالاً لِعظمةِ ما قَدَّمتُ. سأظلُّ واقفاً كأشجارِ الصَّنوبرِ التي لا تَنحني للعواصف، أرقبُ مَكانَ قدميك الذي بَهتَ، وصوتَ الوعودِ الذي خَفَت، حتى يَقضيَ اللهُ أمراً كانَ مفعولاً.

فإن صارَ قلبي خاوياً من الدَّمعِ يوماً، سأعلمُ حينها أنَّني أدَّيتُ الأمانة، وأنَّني وَقفتُ على الأطلالِ بِنُبلٍ يليقُ برجلٍ أحبَّ بصدقٍ.. ولم يَتخلَّ عن حُزنِه إلا بَعدَ أن أَنصفَه الصَّبر. إلى ذلك الحين، سأظلُّ هُنا.. أَبكي عُمري الجميل، وأحرسُ مَقابرَ الأحلامِ بِوَقارِ الهِيام.

“عن النَّزيفِ الذي لا يَنتهي.. والوفاءِ لِمحضِ الرَّماد”

“يقولون إنَّ الزَّمنَ كفيلٌ بِمحوِ الندوب، لكنَّهم لم يخبرونا عن تلكَ الجراحِ التي نَختارُ نحنُ أن نُبقيها مفتوحةً، إجلالاً لِعظمةِ الوجع. أنا اليوم لا أكتبُ لأُشفى، ولا أَبكي لِأستريح؛ بل أقفُ على أطلالِ حكايةٍ بدأتْ بنبضةٍ صادقة ، لأعلنَ أنَّ مَراسمَ الحدادِ في قلبي لم تنتهِ بعد. سأتركُ لـ “كلماتي” أن يَشقَّ طريقهُ فوقَ الورقِ ، ليسَ بحثاً عن عَطَف، بل وفاءً لِدَمْعٍ لم يجدْ بَعدُ مَرفأَه الأخير. سأبقى هنا، بينَ الركامِ والوعودِ المهجورة، حتى يَنفدَ صبري.. أو تجفَّ مآقي الروح.”

” في حَضرةِ الأطلالِ وبقايا الوعود عن جغرافيا البدايات ”

في ذلك العام، لم أكن أحبكِ فحسب، بل كنتُ أؤرخُ بكِ ميلادي الجديد. غَرستُ جذوري في أرضِ عهدنا بنيةِ مَن يبني صرحاً لا تهزه الرياح، وملاذاً لا يسكنه إلا الصدق. كنتُ أظنُّ أنَّ البياضَ الذي أقدمه لكِ كافٍ ليحمينا من غدرِ الفصول، فمنحتُكِ رُوحاً لم تعرفْ لغيركِ وِجهة، ووفاءً كان يرى في عينيكِ قِبلتَه الوحيدة. لم أكن أعلمُ حينها أنَّني أبني مدينتي فوقَ سحابة، وأنَّ مَن وهبتُه الأمانَ قد يغترُّ يوماً ببريقِ السراب.

” هيبةِ الانكسار.. والذهولِ أمام الغياب”

ثم جاءت العاصفة، ولم تكن رياحاً، بل كانت “خيبةً” خرقت جدارَ الروح. ما أصعبَ أن يستيقظَ الفارسُ ليجدَ خيولَه قد طعنتْه في الظهر، وأن يكتشفَ أنَّ الوعودَ التي كانت قنديلَه قد انطفأت أمامَ بريقِ “غرباء” مَرّوا كعابري سبيل. لا ألومُ مَن رحل، ولا أعاتبُ مَن اختارَ أفقاً آخر، لكنني أقفُ مذهولاً أمامَ “خفة” الوعودِ التي كانت ثقيلةً في صدري كالجبال. كيف صارَ ذاك العشق باهتاً؟ وكيف تحولت مكاتيبُ الحب إلى أوراقٍ يذروها الريح في فضاءِ الجفاء؟

“عن فلسفةِ الدمع.. ولماذا لا أرحل؟”

يقولون لي: “امضِ، فالأطلالُ لا تُحيي الموتى”، ولا يدركون أنَّ وقوفي هنا ليس ضعفاً، بل هو “منتهى القوة”. أنا لا أتمسكُ بآثاركِ، بل أتمسكُ بـ “نبلي” الذي لا يمحوه الغدر. أريدُ لقلبي أن يبكي حتى ينفدَ دمعُه، لأنني أرفضُ أن أحملَ سمومَ هذه الخيبةِ إلى غدي. أريدُ أن أغتسلَ من أوجاعِ السنين بدمعٍ طاهر، لكي أخرجَ من مِحراِبِكِ نقياً كما دخلتُه أول مرة. إنَّ البكاءَ على الأطلالِ هو “زكاةُ الوفاء”، وهو حقُّ السنينِ التي ضاعت في انتظارِ “يقينٍ” لم يأتِ.

“دموعٌ لِوجعٍ أصيل”

لماذا صرتُ أبكي لِحزنِ الغرباء، وأشهقُ لِألمِ عابري السبيل؟ ولماذا يَكسرُني مَشهدٌ عابرٌ في حكايةٍ مُتخيلة، وكأنَّني أنا مَن فَقَد، وأنا مَن ضَلَّ، وأنا مَن انكسر؟

لأنَّكِ يا حبيبتي تركتِ في قلبي ثُقباً لا يَسدهُ الصبر، فصارَ كُلُّ حزنٍ يمرُّ في العالَمِ يَجِدُ طَريقَه إلى عُروقي. أنا لا أبكي على بطلِ الرواية، بل أبكي على الرَّجلِ النبيلِ الذي كنتُه وضاعَ في مَهبِّ وعودِكِ الكاذبة. صرتُ أرى خيبتي في عُيونِ المكلومين، وأسمعُ نَحيبَ وفائي في صَرخاتِ المظلومين.

دموعي الغزيرةُ يا سيدةَ الروح هي “فيضانُ الخذلان” ولم يجدْ سداً يَحميه. كُلُّ فاجعةٍ أراها هي في الحقيقةِ فاجعتي فيكِ، وكُلُّ دمعةٍ أسكبُها لِغريبٍ هي دمعةٌ كانت تَتحرَّقُ لِتَسقطَ على كتفِكِ.. ولم تَجِدْكِ.

“عن الدَّمعِ الذي ضلَّ طَريقَه.. وحُزنِ العالَمِ في صَدري”

“لم أكن أعلمُ أنَّ خُذلانَكِ سيجعلُ مني شريكاً في أحزانِ البشريةِ جمعاء. فاليوم، صرتُ أبكي لِحزنِ الغرباء، وتَنهمرُ دموعي لمشهدٍ عابرٍ في حكايةٍ مُتخيلة، أو لِأنينِ مكلومٍ لا أعرفُ له اسماً. لستُ بضعيفٍ، ولكنَّكِ يا سيدةَ الروح كَسرتِ في قلبي ذاك الغلافَ الذي يَحمينا من بؤسِ العالَم، فصرتُ أرى “خيبتي فيكِ” في كُلِّ مأساةٍ تمرُّ بي، وأسمعُ صدى “وفائي المهدور” في كُلِّ صرخةِ مظلوم.

إنَّ دموعي الغزيرةَ أمامَ أوجاعِ الآخَرين ليستْ إلا “دموعي عليكِ” وقد ضلَّتْ طريقَها إليكِ، فسكبتُها فوقَ جراحِ الغرباء لعلَّها تُبردُ نارَ جرحي. لقد حوَّلتِني إلى كائنٍ من زجاج، يرتجفُ لِأدنى نسمةِ حُزن، لا لأنني هَشّ، بل لأنَّ صدمتي في “يَقيني بكِ” جَعلتْ كُلَّ فاجعةٍ في هذا الوجودِ تَبدو وكأنَّها فاجعتي الشخصية. أنا لا أبكي عليهم يا حبيبتي، أنا أبكي على الرَّجلِ الذي كان يظنُّ أنَّ صَدرَكِ هو الحِصنُ الذي سَيَقيهِ بَرْدَ العالَم.. فإذْ به يجدُ نَفْسَه عارياً في مَهبِّ كُلِّ الدموع.”

“خاتمةُ الركام.. والانتظارُ المقدس”

سأبقى هنا، أحرسُ رُكامَ أحلامي بوقارِ الملوك. سأتركُ لـ “نزيفِ كلماتي” أن يملأَ أسطرَ الجرائد، ليعرفَ العالمُ أنَّ في هذا الزمانِ رجلاً أحبَّ بصدقٍ أسطوري، وبكى بصدقٍ أسطوري، ولم يبرحْ مكانَه حتى جفَّتْ في عينيهِ آخرُ قطرةِ عِتاب. فإن جفت دموعي يوماً، سأقومُ من بين الحطام، ليس لأنني نسيت، بل لأنني أتممتُ الأمانة.. وودعتُ الأطلالَ بما يليقُ بما أحمله في صدري لها…

يقولون لي: “امضِ”، وأقولُ: “الوقوفُ على الأطلالِ أمانة”. سأبقى هنا، أُواجهُ طيفَكِ الذي يملأُ المَكان، وأتركُ لِـ ” كلماتي” أن يَصيغَ مَرثيةَ الحُبِّ الذي لم يَهنْ رَغمَ الطَّعنات. سأبكي حتى تَنفدَ دُموعي، ليسَ استجداءً لِعطفٍ، بل إجلالاً لِعظمةِ ما قَدَّمتُ لها…

لقد حَمَلتَ جبالاً من الخيبات ، وكنت تمارس “النبُل” و”الصمود” و”الستر” حتى تآكلت جدرانك الداخلية. أنت الآن لست رجلاً يبكي على مشهد، أنت “سدٌّ عظيم انهار” بعد سنوات من مقاومة الإعصار.

“نَحيبُ الجِبالِ.. حينَ يَفيضُ الكِبْرِياء”

يقولون: “الرجالُ لا يَبكون”، ولا يَعلمونَ أنَّ الجبالَ تنهارُ أحياناً بفعْلِ الزَّلازلِ الكامنةِ في أعماقِها. أنا لا أبكي كطفلٍ، بل أبكي كَـ “نخلةٍ” عَجوزٍ كسرتْها رِيحٌ لم تَرحمْ وقارَ سِنينِها. أبكي لأنَّ حِمْلَ الوفاءِ صارَ أثقلَ من صَدري، ولأنَّ الصَّمتَ الذي مَارستُه لسنواتٍ انفتحَ كجرحٍ غائرٍ لا يَسدهُ الصبر.

أعتذرُ لِمقامي ولِشَيْبتي ولِعُمري، لكنَّ القَلبَ الذي سَكنتُه هي، لم يَعُد يَمْلكُ سُلطةً على مآقيه. أنا لا أبكي لِحالِ مَن أمامي، بل أبكي لِحالي الذي صارَ مَشاعاً لِكلِّ الوجع. أبكي لأنَّني كنتُ أستحقُّ نِهايةً تليقُ بِنُبلي، فوجدتُ نَفْسي وحيداً أُصارعُ دمعاً يَفضحُ سِتري.

يا ربي، أفرغْ عليَّ صبراً، وأَعِدْ لِرُوحي وَقارَها، فما عادَ في الكأسِ مُتَّسعٌ لمزيدٍ من النَّزيف.

“خَلْوَةُ الكِبرياء.. حينَ يَصيرُ البُكاءُ مِعراجاً لِلسَّكينة”

سأعتزلُ ضجيجَ العالَمِ قليلاً، لا جُبناً، بل إجلالاً لِزلازلَ في صَدري لا يَقوى غيري على فَهْمِها. سأَمضي إلى رُكني البعيد، حيثُ لا مقامَ يُلجمني، ولا شَيْبَةَ تمنعُني من ممارسةِ حقي الإنسانيِّ في الأنين. هناك، سأتركُ لدموعي أن تَفيضَ غَزارةً، بعيداً عن عُيونٍ تَرى في نَحِيبي انكساراً، ولا تَرى فيهِ “تطهُّراً” من عُمرٍ كاملٍ بَذلتُه لحبيبتي.

سأبكي لـ التي سَكنتْ عُروقي، وأبكي نَفْسي التي أهملتُها في مَحطّاتِ انتظارِها. سأصرخُ في وَجهِ الصَّمتِ حتى تَبُحَّ الحُروف، لعلَّ هذا الانفجارَ يُعيدُ ترتيبَ أشلاءِ رُوحي المبعثرة. وعندما تجفُّ مآقِيَّ، سأخرجُ للعالَمِ مَلكاً كما كنت، بقلبٍ فارغٍ من السُّموم، وبِوَقارٍ لا يُكدرُ صَفوهُ حنينٌ قديم. يكونَ شِتاءً لِلصَّمتِ المُرّ، بل سيكونُ فصلاً لِغسلِ الرُّوح.. حتى يَعُدَّ النَّبضُ إلى آمناً مُطمئناً.، ولا أعرف هل استطيع أن أستوعب نفسي لكي تمنحني احتضاناً دافئاً ، أو أن تبتلعني في ضجيجها وذكرياتها.

“بلادها.. مَلاذُ الرُّوحِ أَمْ مَنْفى الحَنين؟”

يا وطنها، يا بَلداً سكنتُ فيهِ قبلَ أن تَطأَهُ قَدماي، ويا أرضاً نبتتْ فيها وعودي منذُ سِنين. كنتِ في خيالي واحةً لِلأمان، وصِرْتِ في واقعي مِحراباً لِلأنين.

عجيبٌ كيفَ تتحولُ مآذنُكِ في عينيَّ إلى شواهدَ على أحلامي الموؤودة، وكيفَ يَصيرُ نِيلُكِ مِرآةً لِدُموعي التي لا تَنتهي.

أُحبُّكِ يا وطنٌ، هي فيها، ولكنَّني أخافُكِ؛ أخافُ أن تَخنقني شوارعُكِ بذكرياتِها وأن يَكسرني صَمتُها فوقَ ضِفافِكِ الزاخرةِ بالضجيج.

أنتِ الآن بالنسبةِ لي “الجمالُ المُرّ”، والوِجهةُ التي أشتهيها وأهربُ منها في آنٍ واحد. سأؤجلُ عناقي لكِ حتى تَجفَّ مآقيَّ، وحتى أستعيدَ وقاري الذي بَعثرتُه على أعتابِ حُبٍّ خَذلني. سأعودُ إليكِ يوماً، لا كَـ “يوسفٍ” مَكلوم، بل كَـ “عائدٍ” استردَّ رُوحَه من مَهبِّ الغِياب.

“بيانُ الهدنة.. حينَ يَجفُّ المِداد”

الليلةَ، أضعُ قلمي جانباً، وأُغلقُ مَحبرةَ الوجعِ التي استنزفتْ نبضي. كفى هَدراً لِدمِ الرُّوحِ فوقَ الورق، وكفى وَقوفاً تحتَ سِياطِ الذاكرة. لقد قلبتُ موازينَ الحنينِ حتى لم يَبقَ فيهِ مِساحةٌ لِحرفٍ جديد. سأهجرُ “نزيفَ كلماتي” لِأبحثَ عن “سَكينةِ صمتي”، ولأمنحَ قَلبي هدنةً يَستحقُّها بَعدَ سِنينٍ من الحَربِ الضَّروس.

لستُ أنسحبُ خَوفاً، بل أرحلُ ترفعاً؛ فالحكاياتُ الكبيرةُ لا تَنتهي بالكلمات، بل يختمُها الصَّمتُ المهيب. سأتركُ للأطلالِ أن تروي قصتَها، ولِلدموعِ أن تَبحثَ عن مَجراها بعيداً عن أعينِ الجرائد. سأصمتُ الآن، لعلَّ في هذا الصمتِ أسمعُ صَوتَ نَفْسي التي أضعتُها، ولعلَّ في هَجرِ الكتابةِ بدايةً لِفصلٍ لا يُكتبُ بالدموع، بل باليقينِ الذي لا يَهتز.

“إلى هُنا، ويَجفُّ المِداد.. ليسَ لأنَّ الوجعَ انتهى، بل لأنَّ الوفاءَ للأطلالِ قد استوفى حَقَّه من الكلمات. أستودعكم الله في صمتي، فما عادَ في جُعبةِ النزيفِ ما يُقال.”

قد يعجبك ايضا