حينما غادر الفلم الوثائقي شاشات السينما

حين غادر الفيلم الوثائقي مقاعد السينما

مصطفى حسين الفيلي

كان الفيلم الوثائقي يومًا ما جزءًا أصيلاً من تجربة المشاهدة داخل صالات العرض. لم يكن الجمهور يذهب للسينما بحثًا عن المتعة فقط، بل لملاحقة الحقيقة أيضًا. تلك الحقيقة التي كانت تُصاغ على الشاشة بجرأة وعمق وإحساس بصري مختلف تمامًا عن سحر الدراما والخيال.

لكن هذه العلاقة الحميمة بين الوثائقي وقاعات السينما بدأت تتآكل تدريجيًا. ومع مرور السنوات، تراجع هذا النوع من الأفلام إلى الهامش، قبل أن يختفي عمليًا من الشاشة الكبيرة، ليستقر في فضاء التلفزيون ومنصّات البث، وكأنه انتقل من “الحدث الجماعي” إلى “الاستهلاك الفردي”.

التحولات لم تكن بسيطة. فالسوق السينمائي أصبح رهينًا لحسابات الربح، والجمهور صار يبحث عن إيقاع سريع وتأثيرات ضخمة وأبطال خارقين. في مقابل ذلك، ظل الفيلم الوثائقي مخلصًا لوتيرته الخاصة هادئًا، متأملاً، ومشغولًا بالواقع أكثر من المؤثرات. وهكذا فقد الوثائقي موقعه التجاري، رغم احتفاظه بقيمته الفنية والمعرفية.

ومع انحساره عن دور العرض، خسر الوثائقي أحد أهم عناصره المشاهدة الجماعية. تلك اللحظة التي يتقاسم خلالها الجمهور الدهشة والصدمة وتساؤلات ما بعد العرض. المشاهدة التلفزيونية قد تقدّم الفكرة، لكنها لا تصنع الحالة الشعورية ذاتها، ولا تمنح الفيلم ثقله كـ”حدث” يدفع للاستجابة والتفكير والنقاش.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الوثائقي تراجع إبداعيًا. بالعكس، هو يعيش اليوم ذروة نضجه على مستوى الشكل والموضوع، بفضل منصّات الإنتاج العالمية وصنّاع الأفلام الشباب الذين أعادوا تعريفه. لكن غيابه عن السينمات يحرم هذا الفن من منصة كان يستحقها دائمًا.

ربما آن الأوان لنسأل هل يحتاج الوثائقي إلى عودة؟ أم أننا ينبغي أن نعيد تعريف معنى “العرض السينمائي” في زمن تغيّرت فيه العادات والوسائط؟ الحقيقة أن الوثائقي لا يفقد بريقه، بل يفقد فقط فضاءه القديم. أما قيمته، فما تزال في مكانها تنتظر شاشة كبيرة تعيده إلى جمهوره.

قد يعجبك ايضا