الدكتور كريم شمخي جبر
عندما نبحث عن ضمان مستقبل تسوده الكرامة والعدالة والحرية، فإن أول طريق يبدأ من الطفل. فتعليم الأطفال ليس مجرد نقل للمعلومات والحقائق، بل هو غرس للقيم والمبادئ التي تشكل شخصية الإنسان لسنوات قادمة. وإذا أردنا أن يعيش الناس حقوقهم بوعي، وأن يحترموا حقوق الآخرين، فعلينا أن نبدأ من الفصل الدراسي الأول، من حكاية تحكى في الإذاعة المدرسية، من نشاط بسيط يرسم فيه الطفل معنى المساواة. إن دمج حقوق الإنسان في تعليم الأطفال هو استثمار حقيقي في مستقبل لا يعرف الظلم ولا التمييز ولا الاستبداد .
منذ إعلان الأمم المتحدة للعقد العالمي للتثقيف في مجال حقوق الإنسان (1995-2005)، ثم خطة العمل العالمية للتثقيف في مجال حقوق الإنسان، أصبح من المسلم به أن تعليم الحقوق يبدأ من المراحل الأولى للطفولة. فالطفل الذي يتعلم في صغره أن لكل إنسان الحق في الحياة والأمان، سيكبر وهو يعرف أن القتل والاعتداء جريمة لا تغتفر. والطفل الذي يسمع منذ طفولته أن الفتاة والفتى متساويان في الحقوق والفرص، سيبني مجتمعًا لا يعرف التفرقة بين الجنسين. والطفل الذي يُعَلَّم أن للآخرين حق التعبير والاختلاف، سينشأ متسامحًا يحترم آراء غيره حتى لو خالفته. هذه ليست أحلامًا، بل نتائج مؤكدة لتجارب دول عديدة جعلت حقوق الإنسان جزءًا من مناهجها التعليمية منذ العقود الأولى .
لكن كيف يمكن أن يظهر تعليم حقوق الإنسان في حياة الطفل اليومية؟ ليس بالضرورة من خلال كتب نظرية جافة، بل من خلال الممارسة اليومية داخل الأسرة والمدرسة. فالمدرسة التي تطبق نظامًا ديمقراطيًا في انتخاب ممثلي الصف، والتي تعاقب التنمر وتكافح العنف، والتي تستمع لشكوى الطفل بحرية واحترام، هي مدرسة تعلِّم حقوق الإنسان قبل أي درس. والمعلم الذي يعامل جميع تلاميذه بعدل، ويشجع على الحوار، ولا يميز بين غني وفقير أو بين ابن المهندس وابن العامل، هو نموذج حي لمبادئ المساواة وكرامة الإنسان. حتى اللعبة في ساحة المدرسة يمكن أن تكون درسًا في الحقوق إذا تعلم الأطفال أن يتناوبوا، وأن يحترموا دور غيرهم، وأن يعرفوا أن للآخرين نفس المشاعر والحقوق التي يريدونها لأنفسهم .
إن إدماج حقوق الإنسان في تعليم الأطفال يحقق فوائد عميقة على صعيد المجتمع بأسره. فالأطفال الذين يتربون على احترام الحقوق هم أقل عرضة للتطرف والعنف، لأنهم يدركون أن الآخرين لهم كرامة مثلهم. هم أكثر قدرة على مقاومة الاستغلال، لأنهم يعرفون أن العمل الجبري أو التحرش أو ختان الإناث هي انتهاكات لحقوقهم الأساسية. هم أكثر استعدادًا للمشاركة المدنية والديمقراطية عندما يكبرون، لأن المشاركة أصبحت عادة لديهم منذ الصغر. المجتمع الذي يستثمر في تعليم طفل واحد على حقوق الإنسان، يكون قد زرع بذرة سلام قد تنمو لتصبح غابة وارفة من العدالة .
ومع ذلك، تواجه فكرة دمج حقوق الإنسان في تعليم الأطفال عقبات كبيرة في العديد من المجتمعات. قد تتصادم بعض القيم العالمية مع تقاليد وعادات محلية، وقد تخشى الحكومات من أن يؤدي تعليم الحقوق إلى خلق جيل “متمرد” يطالب بحرياته. وقد يفتقر المعلمون أنفسهم إلى التدريب الكافي على كيفية تقديم هذه المفاهيم بأسلوب مبسط يناسب أعمار الأطفال. لكن هذه العقبات ليست مستعصية، فالتجارب الناجحة في دول مثل كندا واليابان وفنلندا وصولاً إلى رواندا بعد الإبادة الجماعية، أثبتت أنه يمكن تصميم مناهج توفق بين احترام الخصوصية الثقافية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان. المطلوب هو الإرادة السياسية، والاستثمار في تدريب المعلمين، وإشراك الأسر في هذه العملية التربوية .
ولا يمكن فصل تعليم الأطفال عن حقوق الإنسان، لأنهما معًا يصنعان إنسان الغد: حرًا، عادلاً، متسامحًا، قادرًا على المطالبة بحقوقه واحترام حقوق الآخرين. كل طفل يتعلم اليوم أن له حقًا في التعليم، والرعاية الصحية، واللعب، والتعبير، هو شعلة أمل في عالم كثيرًا ما يغرق في الظلم والجهل. فلنمنح أطفالنا هذا السلاح الناعم، سلاح المعرفة بالحقوق، فهو أقوى من أي سلاح حقيقي في بناء السلام وضمان كرامة الإنسان أينما كان. ابدأ بتعليم طفل واحد اليوم، وستجني ثمار مجتمع بأكمله يحترم حقوق الإنسان غدًا