د . صباح ايليا القس
هل يمكن أن يتوقع الاب مستقبل إبنه ؟ ليس القول كلاما قيل ثم نثرته الريح كلا : إن هذا الكلام دوّنه الوالد وتحقق ما كان في حياة الولد ..
قال الوالد مخاطبا ابنه متوقعا طبيعة حياته المقبلة فقال : (( إنك ستعيش مغتربا عن وطنك وأنت سعيد الحظ ، وسيكون لك اعداء كثر ولكنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منك .. ان نجمك ينتشر ولست أدري ما ستكون في المستقبل . ))
هذا ما قاله الوالد عن ولده الشاعر محمد مفتاح الفيتوري شاعر السودان الشريد الطريد الذي طاف على أغلب أقطار الوطن العربي معتزّا بسواده معترفا بزنجيته حيث قال (( أنا زنجي ، وأبي زنجي الجد ..وامي زنجية )) عرفت عائلته الهجرة منذ يفاعته وعرفها معهم وتنقل وحده في الاقطار العربية تستقبله عاصمة الى مدة معينة لتقوم بطرده ليستقر في عاصمة اخرى .. اذ كان معارضا لاغلب الانظمة العربية ..
ترك الدراسة الجامعية في مصر وارتضى أن يكون صحفيا هاربا من الدروس والقيود الجامعية والبحوث والمحاضرات اذ لم يكن يعرف الاستقرار بطبعه ..
يقول عن نفسه :
” ذلك الشاعر من يكون ؟
ذلك المغني الهمجي
ذلك المهرج الحزين
المعروف في الواقع العربي منذ العصر الجاهلي ان اللون الاسود والفقر والبشاعة من صفات العبيد وكان هو يشتمل على هذه الصفات وكان يعاني من هذا الثلاثي ما جعله متمردا ناقما على الآخرين يقول يصف نفسه :
” فقير ، ديم فوجهي كأني به دخان تكشف ثم التحم
وعينان فيه كأرجوحتيـــــــــــــــــــــــن مثقلتين بريح ألألــــــــــــــــــــــــــــم
وأنف تحرّر ثم ارتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــى فبان كمقبرة لــــــــم تتــــــــــــــــــــــم
ومن تحتها شفة ضخمـــــــــــة بدائية فقلما تبتســـــــــــــــــــــــــــــــم
وقامته لحقت بالتـــــــــــــــــــــراب وإن هزئت روحه بالقمم
هنا يرسم الفيتوري صورة واقعية لوجهه اذ هو لا يتهرب من شكله ولكنه يتحدى الآخرين عندما بقي بهذا الشكل ولكنه يشتمل على قلب وشاعرية لا يستطيع غيره أن يخاصمه فيها .
هذا الكيان المتمرد والفكر المتجرد جعلاه في موضع التحدي والغضب من اللون الابيض الذي يمثل الاستعمار الغربي الذي كان يسيطر على اغلب أقطار الوطن العربي ولذلك وجد الفيتوري في ذاته روح الثورة والاندفاع نحو الحرية التي نادى بها وتشرد من أجلها ، اذ عاش عيشة متمرد ولكن بكبرياء اذ أعلن ثورته السوداء وانتفض من عقدة النقص اللوني الى فضاء الحرية الانسانية ، مدافعا عن الانسان أينما كان بعيدا عن عناصر التمايز كاللون والدين والعقيدة ..
يقول :
يا أخي في الشرق في كلِّ سكن
يا أخي في الارض في كلّ وطن
انا أدعوك
يا أخاً اعرفه .. رغم المحن
وللحديث صلة .