السينما العراقية أفلام تُنتَج ولا تُوزَّع
مصطفى حسين الفيلي
في السنوات الأخيرة، بدأت الكاميرا العراقية تستعيد عافيتها شيئًا فشيئًا، فصارت دور السينما في بغداد والبصرة وأربيل تحتضن عروضًا لأفلام عراقية طويلة بعد سنوات من الغياب. هذه العودة أعادت الأمل بوجود حركة سينمائية وطنية تتنفس وتتكلم بلسان الواقع العراقي، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن أزمة أعمق وأخطر أزمة التوزيع السينمائي.
فالأفلام تُنتَج، وتُعرَض محليًا، وتحظى بتصفيق الجمهور، لكنها سرعان ما تنطفئ بعد أسابيع قليلة من عرضها، دون أن تجد طريقها إلى الخارج، لا إلى المهرجانات العالمية، ولا إلى صالات السينما في الدول العربية.
إنها أشبه بزهورٍ جميلة نبتت في حديقة مغلقة.
المشكلة ليست في المبدعين، فالعراق يزخر بالمخرجين والكتّاب والممثلين الموهوبين، بل في غياب منظومة توزيع محترفة تُخرِج الفيلم من حدوده الجغرافية إلى فضاء أوسع.
في دول الجوار، يُنتَج الفيلم وتتبعه شركات توزيع تتكفل بعرضه في المنطقة والعالم، بينما في العراق لا تزال هذه الحلقة مفقودة، فيبقى الفيلم العراقي محليًّا بامتياز، مهما كان مستواه الفني راقيًا.
لقد آن الأوان لأن تُبنى في العراق صناعة توزيع سينمائي حقيقية، لا تقتصر على بيع التذاكر المحلية، بل تمتد إلى التسويق الخارجي، والمشاركة في الأسواق السينمائية والمهرجانات، والتفاوض مع المنصات الرقمية العالمية.
فالفيلم الذي لا يُوزَّع لا يعيش.
التوزيع هو الجسر بين الإبداع والمُشاهد، وهو ما يمنح السينما العراقية صوتها في العالم. وما لم يُبْنَ هذا الجسر، سيظل إنتاجنا السينمائي يلمع لحظة ثم يتلاشى في العتمة.