التراث الكوردي وثرائه

هه لكورد صالح علي

للفلكلور والتراث الشعبي أهمية كبيرة في حياة الشعوب كافة، فهي الهوية الوطنية لها، وتمثل تجارب الأجداد وخبراتهم ونقلها إلى الأجيال اللاحقة، فالمرء عندما يريد أن يعرف شعباً سيلجأ تلقائياً إلى البحث عن ثقافته وتراثه لأنهما تقدمان طبيعة هذا الشعب وفلسفته ومعتقداته وتقاليده فيستطيع بذلك أن يعرف تاريخهم ما بين الماضي وربطه بالمستقبل.

ويُعرف الفلكلور الذي تعود جذوره إلى خبرات متراكمة للشّعوب، بأنّه مجموعة الآثار (الفكرية والمادِّيّة) التي تشير إلى ما خلّفه الأجداد من موروثات متعلِّقة بالمنتوج الفكري والثقافي والفنيّ، وهو بذلك يشتمل على المعارف والمعتقدات والعادات، والأساطير والخُرافات والحكايات، والأمثال والأغاني والنداءات الشّعبية المتداولة، ويشتمل كذلك على أنواع الفنون الشّعبية والحِرف والرقـص واللعب الشّعبية، وغيرها من الموروثات الشّعبية.

فثقافة وتراث الشعوب ليست بأمرٍ هينٍ يُستباح التعدي عليه، ولكن هناك من يعرفه حق المعرفة ويدرك أهميته ويقوم باستغلاله والتهجم عليه ويسعى إلى محوه، فالشعب الذي ليس له ماضٍ لا يملك الحاضر ولن يستطيع أن يستمر، وكما كل الشعوب للكرد تاريخ عريق وماضٍ حافل بالأحداث والمجريات والخبرات، وتسعى القوى العالمية إلى تهميش هذا التاريخ ليكون بهذا دمر حقبة تاريخية مهمة ولا تنسى من الحقب التاريخية، والمعروف سعي الاستعمار؛ حين كان يخطِّط لاحتلال بلد ما، توجّهه نحو محاربة التراث الشعبيّ لذلك البلد قيل أيِّ شيء، كونه يمثِّل فكره وهُويّته وجذوره، إلا أنّه كان يفشل مراراً، لأنّ جذور الفلكلور راسخة في القِدم، ووثيقة الصلة ببقاء الشعب وديمومته.

والتُّراث الأدبيّ الشَّعبيّ الكورديّ، تراثٌ غنيٌ جداً، ويتمثَّل هذا الغنى في تنوّع أشكاله ومفرداته وفنونه، كالملاحم والاساطير والحكايات الخرافية، والأقاصيص والأشعار والأمثال والأغاني الشَّعبية، والألغاز والأحاجي والنوادر والطرائف والفكاهات والألعاب الشَّعبية، وغيرها من المفردات التراثية الشَّعبية، إلا أنها لم تدوَّن إلا بمقدار ضئيل، بالمقارنة مع الثراء الكبير للفلكلور الكوردي.

التراث الكوردي الشَّفوي؛ ثريٌّ للغاية، حيث تجد في كلِّ جيل ملحمة، وفي كلّ كهف ووادٍ حكاية، ومع تدفّق الينابيع العذبة ثمة حكاية وأسطورة ترويها الأحجار والأنهار والبساتين.. والمخزون الكوردي الفلكلوري لا ينضب، ينتظر من ينقله إلى الآخرين من خلال فنِّ الكلمة، فكلُّ امرأة كورديّة هي مغنّية رائعة لوليدها في المهد، وتتحوّل إلى روائية بارعة عندما تصبح جدّة.

والفلكلور الكوردي بصفة عامة على كلّ ما يتصف به الإنسان الكورديّ كالحبِّ والصدق والإخلاص، والوفاء والأخلاق الكريمة الفاضلة، وما يتعلّق به، كالفروسية والبطولة والمغامرة، كما تشتمل على كلِّ الأحداث الهامّة والصور والمشاهدات الحيَّة في حياة هذا الشعب، ونضاله الدؤوب ضدّ الاستبداد و كذلك الأغاني الكوردية إرثٌّ أصيل بتاريخٍ عريق تعدّ الأغنية من أقدم أنواع الفنون الفلكلوريّة، وألوان التعبير الشعبيّ الكوردي، بصفته سجلّاً حافلاً يشير بدقة بالغة إلى مواطن الوجع والألم والفرح الذي عايشه الإنسان الكوردي لقرون طويلة، ولا يزال، ويوثّق تفاصيل حياته في العمل والمناسبات الاجتماعية، كالرعي والغزْل والحصاد والأعياد والأعراس، كما يستوعب مظاهرها ووقائعها وحوادثها، فلا تمرُّ ظاهرة أو حادثة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في حياة الكورد دون أن تترك لها الأغنية أثراً.

وهنا يؤكد الكثير من المستشرقين على أنّ الكرد هم من الشعوب الشغوفة بالموسيقى والألحان والغناء، حيث تتنوّع -بشكل هائل- الألوان والأشكال الغنائية في تراثه الشعبيّ، حتى وصفت بالنهر الذي تصبّ فيه جداول الحياة كلّها، وتكثر الأسماء التي تشتهر في هذا المجال، من أمثال: عارف جزيري، مريم خان، دمّر علي، رفعت داري، وغيرهم.

ومن أشكال الأغنية الشعبيّة الكوردية: أغاني الملاحم (الملاحم الغنائية)، التي تتوزع بين ملاحم العشق والملاحم البطولية، وبين أغاني العمل، وأغاني الشباب، وأغاني الأطفال الشعبيّة وهدهدات الأمهات، وأغاني الرقص والحداد والأغاني الدينية.

وإنّ الروح الشاعرية تكمن في أعماق كلِّ كورديٍّ، وحتى عند الشيوخ الأميين، فإنّهم جميعاً يمتلكون القدرة والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة وهدوء، يغنّون لوديانهم وجبالهم وشلالاتهم وأنهرهم، ودورهم وأسلحتهم، وهم يغنّون للشجاعة ولجمال بناتهم ونسائهم، وكلّ ذلك يتدفّق في أعماق مشاعرهم وأنفسهم. ومن خلال هذا الشرح عن الفلكلور والتراث الشعبي والأغاني الكوردية الأصيلة.

قد يعجبك ايضا