جليل الجباوي.. عطاء متدفق بين التعليم والحراك المجتمعي

محمد علي محيي الدين

في مدينة الحلة، وفي محلة جبران تحديدًا، وُلد الأديب والمربّي جليل كريم الجباوي عام 1946م، ليكون واحدًا من أولئك الذين يزرعون في الحياة معنى الصبر والإبداع. لم يكن طفولته ممهّدة باليسر، إذ فقد والده مبكرًا عام 1954م وهو ما يزال في الصف الثاني الابتدائي، فحمل مع اليُتم باكرًا ثِقَل المسؤولية. ومع انتقال أسرته عام 1958م إلى محلة المهدية (عكد أبو كَبّة)، أخذت ملامح شخصيته تترسّخ، بين صرامة العلم ودفء الانتماء إلى المدينة وأهلها.

أنهى دراسته في إعدادية الحلة، وكان معدّله يتيح له أن يطرق أبواب كليات مرموقة كالهندسة أو الصيدلة، لكنه اختار كلية التربية – فرع الرياضيات، مؤمنًا بأن رسالة التعليم أبقى أثرًا وأعمق جذورًا. تخرج عام 1969م ليُعيَّن مدرسًا في الديوانية، ثم يبدأ رحلة طويلة في ميدان التربية والتعليم.

في عام 1973م، سافر موفدًا إلى الجزائر، حيث عمل في مدارسها وترك فيها أثرًا مشهودًا، ثم عاد إلى العراق ليُباشر التدريس في إعدادية الحلة للبنين عام 1977م. ولم تلبث وزارة التربية أن أعادت إيفاده مرة أخرى إلى الجزائر، حيث حقق هناك نسب نجاح متقدمة على مستوى محافظاتها، ما أضفى على اسمه بُعدًا عربيًا في ميدان التعليم.

ومن المحطات المضيئة في مسيرته، مشاركته في دورة القادة التربويين عام 1985م وحصوله على المرتبة الثالثة على مستوى العراق، كما ساهم عام 1996م في لجنة تنقيح منهج الرياضيات للصف السادس العلمي. ورغم كل هذا العطاء، ظل وفيًا لمبادئه، رافضًا أن يُسخّر علمه أو أخلاقه في سبيل المناصب، حتى إنه رفض تعيينه مشرف اختصاص، مفضّلًا أن يبقى وفيًّا لقيمه.

أُحيل إلى التقاعد عام 1999م بناءً على رغبته، بعد ثلاثين عامًا من العطاء لم يحصل خلالها حتى على مكافأة تقاعد أو قطعة أرض. لكن التقاعد عند الجباوي لم يكن نهاية، بل بداية مرحلة جديدة من الإبداع. فقد ألّف كتابه المعروف (الدليل الأثرائي في الرياضيات)، الذي صار عونًا للطلبة ومفتاحًا لنجاح أجيال كاملة، حتى أن الكثيرين اجتازوا الامتحان الوزاري معتمدين عليه وحده دون حاجة إلى دروس خصوصية.

ولمّا غادر الصفوف المدرسية، وجد في القلم نافذة أخرى للعطاء، فبدأ بالكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي سيرًا ذاتية لشخصيات حلية عاشت في الذاكرة الشعبية أو كادت تُنسى. وشيئًا فشيئًا، تجمّعت هذه التراجم لتشكّل موسوعته الفريدة (شذرات من سيرة حياة شخصيات حلية) التي أصبحت (6) أجزاء وضمّت بين دفتيها أكثر من (660) ترجمة. ميزة هذه الموسوعة أنها لم تقتصر على الأعلام المشهورين، بل احتفت أيضًا بالتجار البسطاء، والصناع، وأصحاب الحرف، وحتى الشخصيات الطريفة التي صنعت للمجتمع نكهته الخاصة. بهذا الجهد، وضع الجباوي مرجعًا لا غنى عنه في تاريخ الحلة الاجتماعي والثقافي.

ولم يقف عطاؤه عند حدود التعليم والتأليف، بل امتد إلى الحراك المجتمعي والسياسي. فبعد 2003، أصبح عضوًا في مجلس وجهاء الحلة، لكنه لم يلبث أن انسحب حين وجد أن المجالس امتلأت بالنفاق والتملق. ومع ذلك بقي حاضرًا في كل حراك شعبي أو وطني، مستقلًا في مواقفه، نزيهًا في رؤيته، بعيدًا عن المناصب، قريبًا من الناس. ومع نخبة من أبناء الحلة المخلصين، أسهم في إصلاح مدارس وساحات عامة وجمع التبرعات لإعمار ما أهملته السلطات.

ومع كل هذا، لم تخلُ حياته من جراح. فقد اغتيل ابنه البكر كريم سنة 2005على يد الإرهابيين في مدرسته وأمام طلابه، بتهمة أنه (جاسوس لحزب الدعوة والمجلس الأعلى)، كما خطّوا على جدران المدرسة. ورغم فداحة الفقد، لم يجد الجباوي عزاءً حتى في مشاركة قيادات تلك الأحزاب في تشييع ولده. لكنه ظل ثابتًا، يرى أن خدمة العراق أعظم ما يمكن أن يُنجز، وأن تقديم النفس قربانًا للوطن أمنية لا تفارقه.

وإلى جانب التعليم والتأليف والنشاط الاجتماعي، عُرف الجباوي بشغفه بالسفر. جاب بلدانًا عديدة، يتأمل عاداتها وتقاليدها، حتى صار دليلًا سياحيًا وصديقًا لا يُملّ السفر معه، لطرافته وحسن معشره وعمق خبرته. وقد حظيت أعماله بتقدير واسع، فكتب عنه الاستاذ جبار الكواز: (الكتاب يشكل جامعا لوثائق حية ستكون منطلقا لدراسة طبيعة المجتمع الحلي وطبيعة المتغيرات السياسية والاجتماعية التي اثرت في تشكيله).

وكتب الباحث محمد هادي عند صدور موسوعته: (من حسن حظ الحلة الفيحاء أن ينبري أبناؤها لتوثيق تراثها، ومنهم مربٍ فاضل وحلي أصيل مثل جليل الجباوي، الذي مسح الغبار عن شخصيات لفها النسيان). وكتب الأستاذ عبد الرزاق الكسبي: (اختصاصه العلمي في الرياضيات أورثه الصبر والمثابرة، لذا كان دؤوبًا في توثيق حياة الشخصيات الحلية لتكون جزءًا من تاريخ بابل، ماضيه وحاضره).

أما الباحث أحمد الناجي فقال: (يمتلك الجباوي قلمًا متدفقًا بتلقائية النوايا الطيبة، يفيض محبة ووفاءً لمدينته وأهلها، قريبًا من نبض الناس، بعيدًا عن العزلة، يكتب بظلال من أشجار المحبة الوارفة).

إن سيرة جليل الجباوي ليست مجرد حكاية مربٍّ أو مؤلف، بل هي شهادة حيّة على أن العطاء لا يشيخ، وأن القيم تبقى عصيّة على الانكسار مهما تكالبت المصائب. إنه ابن الحلة البار، الذي اختار أن يكون بين أهله ومعهم، في المدرسة والكتاب والشارع، شاهدًا وفاعلًا، ليترك أثرًا خالدًا يروي قصة جيلٍ آمن بالعلم والإنسان والوطن.

قد يعجبك ايضا