عمار ذياب.. حين تتماهى الفيزياء مع مجاز الحكاية

محمد علي محيي الدين

في مدينة الحلة، حيث يختلط عبق التاريخ بنبض الفرات، وُلد القاص عمار محمد ذياب البجري في مطلع عام 1987، هناك تشكّل وعيه الأول، وعلى ضفافها تنقّل بين مقاعد الدراسة حتى أكمل الثانوية، ثم اتجه صوب الفيزياء، فدخل كلية العلوم ليغوص في أسرار الكون وقوانينه، لكنه لم يُسلم روحه بالكامل إلى الأرقام والمعادلات، بل ترك في داخله مساحة للحلم والحكاية، فاختار القصة القصيرة ملاذًا لغوايته السرّية، وانصرف إليها كما ينصرف العاشق إلى نداءٍ داخلي لا يُرد.

منذ بداياته، شرع عمار ذياب في كتابة القصة القصيرة، ونشر نتاجه الأدبي في الصحف العراقية والمجلات والمواقع الثقافية العربية، حيث عُرف بخطاب سردي يميل إلى التجريب، ولا يرضى بسكون الشكل أو ارتكاس المضمون. ولأن القصة عنده ليست تمرينًا لغويًا فحسب، بل مواجهة فكرية وجمالية، كان حريصًا على أن يجعل من نصه ميدانًا للانتهاك الإبداعي والتجريب الواعي.

ينتمي عمار ذياب إلى جماعة (گوُل) لفن المسرح اليومي، كما يُعدّ عضوًا فاعلًا في جماعة (رواصد)، وهو كذلك عضو في اتحاد أدباء وكتّاب بابل والمنتدى الإبداعي التابع له، وقد نال جائزة دار السكرية للقصص العربية، تقديرًا لتفرّده واختلافه.

أعماله المنشورة: “يوليسيس 2.0 (مجموعة قصصية) – دار نينوى، سوريا، 2020. أقلام سردية في رحاب السكرية (مجموعة مشتركة) – دار السكرية، مصر، 2019.

وقد أثارت كتاباته اهتمام عدد من النقاد الذين رأوا فيها خروجًا جريئًا على أنماط السرد المألوفة، ومحاولة لإزاحة القارئ من منطقة الأمان إلى دهشة النص وقلقه. فقد كتب الناقد عبد علي حسن مقاربة تحليلية لواحدة من قصص ذياب الموسومة بـ: (تضيق الأشياء حولي… ليتسع أفق النبوءة بلون الدم!)، مشيرًا إلى استثمار القاص لمفاهيم القصة القصيرة جدًا، تلك التي تقتنص لحظة يومية عابرة، ثم تشحنها برؤية كونية تتجاوز تفاصيلها، وهو ما يميز قصص ذياب، لا سيما عبر استخدامه للعناوين الطويلة التي تلعب دور “الدالّ” مقابل “المدلول” الذي يتجسد في المتن القصصي. رأى الناقد أن النصوص عند ذياب تُمارس تبادل المواقع بين العنوان والجسد السردي، في ما يشبه لعبة تأويلية معقدة، تفرض على القارئ أن يعيد ترتيب مداخل النص وخلفياته الذهنية.

أما القاص عبد الحسين رشيد، فقد تناول مجموعة يوليسيس 2.0 في مقال نُشر في جريدة الزمان، فاعتبرها تجسيدًا لتيار ما بعد الحداثة، بكل ما يحمله من بعثرة للأنساق التقليدية وتفكيك للسرديات الكبرى. وأشار إلى أن ذياب عمد إلى خلق نوع من (الخداع المعرفي) حين أحاط نصوصه بفخاخ تأويلية، تدفع القارئ إلى التخلي عن الرتابة والاندفاع نحو التأمل. العنوان ذاته (يوليسيس 2.0) بدا له محفزًا للسؤال: هل نحن إزاء استدعاء لجيمس جويس؟ أم أن الأمر يتعلق بثأر أدبي وشخصي موجه إلى نسخة سابقة من الأب المفقود، كما يوحي الإهداء الغريب في نهاية المجموعة؟ أسئلة أراد ذياب أن يتركها دون أجوبة، تاركًا قارئه في منطقة الحيرة والتأمل.

ومن زاوية لغوية صوتية، كتب الأستاذ محمود عبيد حسين عن المجموعة نفسها، مؤكدًا أن ذياب امتلك وعيًا نادرًا في التوظيف الصوتي للحروف، وبنى سرديته على توزيع جهد همسي داخلي بلغ ذروته في توظيف حرف التاء (156 مرة)، ما يشير إلى شحنة شعورية مكبوتة لكنها موجهة بذكاء، واصفًا إياه بأنه يمتلك دربة لا تتكرر كثيرًا، حتى بين الكبار. وقد لفت إلى أن رموزًا مثل (ناصر، مقابلة، حياة) اتخذت دلالة داخل النص تشير إلى توقٍ للخلاص وتجاوز المحن، في إشارة إلى البعد الرمزي والمعنوي الكامن في التفاصيل السردية.

في الختام، يبدو أن عمار ذياب لا يكتب الحكاية بوصفها استعادة للواقع، بل يخترع عبرها واقعًا موازيًا، متعدد الطبقات والدلالات، محمّلًا بالسؤال والتمرد، بالانزياح والتأويل. هو كاتبٌ خرج من قلب الفيزياء إلى ضوء الفن، لا ليوازن بين الصيغة والمعنى، بل ليفجّر المعنى من قلب الصيغة، ويمنح للقصة روحًا مشاكسة تتقاطع فيها أصوات الحواس مع رؤى المعرفة، وتتشكل عبرها صورة كاتب لا يشبه إلا ظله.

قد يعجبك ايضا