كركوك – بانياس… مشروع استراتيجي بين الواقع والطموح

فريدة الحسيني

يتجدد الحديث هذه الأيام عن إعادة تفعيل خط أنابيب النفط كركوك – بانياس الرابط بين العراق وسوريا، وهو مشروع يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية وسياسية كبرى لكنه في الوقت نفسه محفوف بعقبات ليست سهلة التجاوز. نتساءل هنا: هل نحن أمام مشروع قابل للتنفيذ على أرض الواقع أم أنه سيظل أسير التصريحات والاتفاقيات غير المكتملة؟

مشروع ممكن ومفيد

لا يختلف اثنان على أن المشروع يحمل فوائد استراتيجية كبيرة للعراق وسوريا على حد سواء. فالعراق الذي يعاني من محدودية منافذ تصدير النفط بحاجة ماسة إلى منفذ جديد عبر البحر المتوسط يتيح له تنويع طرق التصدير وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالموانئ الجنوبية ومضيق هرمز. أما سوريا، فهي ترى في المشروع فرصة لتعزيز اقتصادها المنهك عبر رسوم العبور والحصول على إمدادات نفطية تسهم في تشغيل مصافيه.

عقبات تعترض التنفيذ

الإرادة السياسية: يحتاج المشروع إلى قرار سياسي جريء من بغداد ودمشق، مع ضمان توافق داخلي وإقليمي.

الموافقات الدولية: العقوبات المفروضة على سوريا تجعل أي استثمار كبير في هذا الخط رهنًا بالتفاهم مع المجتمع الدولي أو البحث عن شركاء قادرين على الالتفاف على هذه القيود.

التمويل الضخم: إعادة تأهيل خط متوقف منذ أكثر من عشرين عاماً، وتعرض لأضرار جسيمة يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وهو أمر لا يمكن للعراق أو سوريا وحدهما تحمله دون دعم خارجي.

مشروع على الورق؟

في ضوء هذه المعطيات، يظل المشروع في مرحلة (النية والدراسة) أكثر من كونه خطة جاهزة للتنفيذ وإذا لم تحل المعضلات السياسية والاقتصادية والدولية فقد يبقى مجرد عنوان في نشرات الأخبار أو مشروعاً مؤجلاً ينتظر ظروفاً أفضل.

الفرصة قائمة

مع ذلك، فإن إصرار بغداد ودمشق على طرح المشروع ومناقشته يعكس إدراكاً متزايداً لأهميته الاستراتيجية وإذا ما توافرت الإرادة السياسية وتدخلت أطراف دولية أو إقليمية لدعم التمويل، فإن تحويل الحلم إلى حقيقة سيصبح ممكناً، وسيشكل ذلك تحولاً جوهرياً في موازين الطاقة والنقل في المنطقة.

الخاتمة

إن خط كركوك – بانياس ليس مجرد مشروع نفطي، بل هو ورقة استراتيجية تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية وسياسية عميقة فالعراق بحاجة إلى تنويع طرق تصدير نفطه للحفاظ على استقلال قراره الاقتصادي بعيداً عن ضغوطات الجغرافيا ومخاطر السياسة الدولية. وسوريا بحاجة إلى هذا الخط لتعيد الحياة إلى اقتصادها وتستعيد شيئاً من موقعها الإقليمي. وبين الطرفين يقف المستقبل مرهوناً بمدى قدرة القيادات على اتخاذ قرارات جريئة، والتغلب على القيود الدولية، وتأمين الاستثمارات اللازمة.

قد يبدو المشروع اليوم على الورق، لكن الأهمية التي يمثلها تجعل منه حلماً مشروعاً يستحق السعي لتحقيقه. فهو ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة استراتيجية تعكس مصلحة العراق أولاً، ومصلحة المنطقة بأسرها ثانياً. وربما يكون هذا المشروع هو البوابة التي تعيد للعراق توازنه النفطي وتمنحه قدرة أكبر على المناورة في سوق الطاقة العالمية وتعيد لسوريا بعضاً من عافيتها الاقتصادية. وبين الطموح والواقع، يبقى السؤال: هل يتحول الحلم إلى حقيقة أم يظل معلقاً حتى إشعار آخر؟

قد يعجبك ايضا