محمد علي محيي الدين
في تخوم الجنوب، حيث تتماهى الشموس بالتاريخ، وتغتسل الكلمات بماء الفرات، ولد رياض الغريب في مدينة الديوانية عام 1963، ليكبر لاحقًا في ناحية الإسكندرية بمحافظة بابل، وهناك، بين الزحام والغبار، تفتّح صوته الشعري كحبة قمح في أرض مشتهاة. لم يكن الغريب شاعرًا عابرًا في المشهد الثقافي العراقي، بل كان شاهدًا على تحولات الوجدان الجمعي، وكاتبًا بصبر على جسد الشعر، حتى صار من الأصوات التي يأنس بها المتلقي ويقف عندها النقاد.
درس المسرح وتخصّص في الإخراج، لكنه ظلّ يؤمن أن القصيدة هي أصدق المشاهد، وأن اللغة وحدها خشبة الخلاص. فكتب في الصحف والمجلات منذ شبابه، وعمل في إذاعة بابل، ثم أصبح مديرًا لها بعد العام 2003، وقدم برامج ثقافية ذات أثر، أبرزها نوافذ ثقافية والمسكوت عنه، متكئًا على إحساس شعري عميق، وتجربة إنسانية عامرة بالتأمل والانكسار.
تنوّعت إصدارات الغريب بين الشعر والمسرح والتحليل السياسي، لكن الشعر كان مملكته التي لا يفرّط بها. نشر مجموعات عدة منها واقف في انتظاري، تلك صورتهم الأخيرة، لا أحد يشبه حالنا، أغني حين أراك مبتهجة، نجلس كسلالة مؤدبة وغيرها، وهي أعمال تراوحت بين الحزن والتأمل، وبين البوح الشخصي والوجع الجمعي، فكل قصيدة له كأنها رسالة من منفى الروح، أو هسيس يأتي من أعماق ذاكرة عراقية مشروخة.

تميّز شعر رياض الغريب بصور شعرية غير مألوفة، ولغة تنحت الجملة نحتًا، وأسلوب يغرف من البساطة من دون أن يتنازل عن العمق. فهو شاعر لا يركن إلى الزخرف، ولا يغريه التكلّف، بل يقف على الحافة بين الحزن والفكرة، كما في قوله:
“يبعثر أيامه ويمضي،
كأن الوقت حقيبة مثقوبة
لا نملأها أبدًا، ولا نرميها”
أو قوله في هذه الأبيات من قصيدته “البارُّ المنسيُّ” فهي تتّكئ على بنية تأملية عميقة، وتستدعي عبرها صورة مكانية – البار – لكنه ليس البار بالمعنى العابر، بل هو رمز متجذر للعزلة والاغتراب والذاكرة المنسيّة.
في هذه الأبيات، يستخدم الشاعر البار بوصفه رمزًا لمكان الظلّ، حيث تتجمع الهويات المتعبة، والأرواح المنكسرة. هو بار “منسيّ”، لا تذكره المدينة التي ينتمي لها، ولا تستدل عليه أقدام الغرباء، ما يوحي بأنه خارج الذاكرة العامة وخارج “الخريطة الرسمية” للمدينة، رغم كونه جزءًا أصيلًا من وجدانها الخفي.
لكن من يعرفه؟
يعرفه “أبناء الحزن العميق” – أولئك الذين جرّبوا الغياب، والانكسار، والبكاء الذي “ينزل مثل ضيف مرحب به دائمًا”. هذه العبارة تكشف عن حالة من التواطؤ العاطفي بين الألم والمكان، حيث يتحول الحزن من عبء إلى رفيق دائم، مألوف، بل مرغوب فيه أحيانًا لأنه يمنح شكلًا ما للحياة.
الصورة الأخيرة – الجلوس قبالة الآخر – تحيل إلى طقس وجودي لا علاقة له باللهو، بل بالحوار الصامت، والمواجهة الهادئة بين الذات ونظيرها في الانكسار.
والقصيدة ترسم مشهدًا رمزيًا لمكان مهمّش لكنه أكثر صدقًا من أمكنة الواجهة، وتحكي عن فئة من الناس لا تراها المدينة، لكنها الأكثر أصالة في الشعور. هي نصّ عن الانتماء الهامشي، والحنين إلى عزلة مأهولة بالألم النبيل.
وقد لفتت تجربته أنظار النقاد، فكتبوا عنه باعتباره أحد الشعراء الذين يجمعون بين الشعر والإعلام والمسرح، ويوظفون كل هذه التجارب في خدمة النص. ويرى بعض النقاد أن رياض الغريب شاعر “القلق الهادئ”، يشتغل على مفردات الحياة اليومية ليصوغ منها صورًا مدهشة، بينما يصفه آخرون بأنه “شاعر الشجن الجمالي” الذي يُعلي من شأن الوجع لا بوصفه شكوى، بل بوصفه مصدرًا للمعرفة.
كتب الناقد حميد الحريزي أن شعر الغريب “يمتاز بخاصية التقاط اللحظة العابرة وتحويلها إلى رؤية”، فيما كتب عنه الدكتور عبد الحسين بريسم: “رياض الغريب كاتب نصّ مفتوح، يتقاطع فيه السردي بالشعري، والوجداني بالتأملي”.
نال جوائز وتكريمات، كان أبرزها المركز الثاني في مهرجان “يوم ميزوبوتاميا” العالمي في بلغراد عام 2014، الذي شارك فيه أكثر من 270 شاعرًا من أنحاء العالم، وهو إنجاز يعبّر عن مدى حضور صوته خارج حدود اللغة والجغرافيا.
لم تكن حياة رياض الغريب سهلة، بل شهدت محن الحصار والحروب والخذلان، لكنه اختار أن يردّ على كل ذلك بالشعر، أن يحمل “حياة في حقيبة”، ويغني للحب والألم والانكسار والأمل. هو شاعر يعرف أن القصيدة لا تغيّر العالم، لكنها تغيّرنا نحن، ولذلك استمر يكتب، حتى حين “لا أحد يشبه حالنا”.
رياض الغريب ليس شاعرًا فقط، بل مشروع ثقافي متكامل: شاعر، ومسرحي، وإعلامي، وفاعل في الحياة الثقافية العراقية من موقعه كعضو فاعل في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وفي شبكة الإعلام العراقي، وفي مهرجانات المربد وبابل والجواهريون وسواها. وبهذا، لا يمكن قراءة تجربته بمعزل عن حضورها المؤسسي، ولا عن كونها مرآة لانكسارات وأحلام العراقيين.
إنه واحد من أولئك الذين “يقفون في الانتظار”، لا لأنهم بلا وجهة، بل لأنهم يعرفون أن الطريق طويل، وأن الشعر وحده يضيء العتمة.