شمال آكريي
لم يغادر “حيدر”، مدرس اللغة الإنجليزية، مدينته في جنوب العراق منذ سنوات عديدة. كانت حياته تدور في فلك رتيب بين المدرسة والمقهى وأزقة وشوارع مدينته المزدحمة التي تفتقر إلى أبسط الخدمات. وفوق وطأة روتين الحياة اليومية، أثقل كاهله ارتفاع درجات الحرارة وموجات الغبار التي لا تنقطع. وعندما اقترح عليه أحد أصدقائه أن يصطحب عائلته في رحلة إلى إقليم كردستان لبضعة أيام، أجاب بضحكة ساخرة: “وهل هناك فرق يُذكر؟ أليس “نفس الطاس ونفس الحمام”؟ أليست كل مدن العراق سواء؟”. لكن شغف الاستطلاع لدى حيدر كان أقوى من شكوكه.
يروي لي حيدر قائلاً: “في صباح قائظ، انطلقت مع عائلتي وأطفالي الصغار الثلاثة ضمن مجموعة سياحية صوب أربيل. منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى أول نقطة تفتيش، شعرنا بتحسن ملحوظ في جودة الطريق، وكأننا دخلنا بلداً آخر. ثم رأينا كيف كان الموظفون والعاملون يسهلّون أمورنا بابتسامة وترحيب! لقد أدهشتنا حقاً دقة التنظيم والانسيابية في حركة المرور”.
يستطرد حيدر في حديثه: “عندما ولجنا أربيل، استقبلتنا المباني ذات التصاميم العصرية والأبراج ذات الواجهات الزجاجية الشاهقة المتناثرة هنا وهناك حول القلعة التاريخية التي يمتد عمرها لآلاف السنين. كانت الشوارع والأزقة نظيفة تماماً، والأشجار المزروعة على جانبي الطرقات تضفي على المكان جواً من الانتعاش والصحة، حيث كان المارة يتنفسون نسيم الحرية دون الحاجة إلى كمامات تقيهم من الغبار. كانت السكينة بادية على وجوه الناس. التقطت أنا وزوجتي صوراً لا تحصى لنريها لأقاربنا وجيراننا، أما أطفالنا فلم يرتووا من اللعب في المتنزهات والحدائق العامة، وكأنهم وطئوا أرض الأحلام”.
جلس حيدر في شرفة غرفته بالفندق، متأملاً مشهد القلعة وفنجان القهوة في يده، وقد سلبته مناظر أربيل لبه. امتزجت في داخله مشاعر الفرح والدهشة بالمرارة، وهمس لنفسه في صمت: “متى ستصبح مدننا على هذا النحو؟ ولماذا تظل محافظاتنا غارقة في الفوضى والأزمات المستمرة؟ على الرغم من علمي بأن أهالي الإقليم لم ينالوا قط كامل حقوقهم ومستحقاتهم من بغداد، فكيف استطاعوا تشييد هذا النموذج المشرق والحديث؟”.
كان حيدر زميلي في الكلية بجامعة الموصل في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. وكانت مصايف “آكري” ضمن خطة رحلته وعائلته. عندما وصلت مجموعتهم السياحية إلى مصيف “سيبه” في آكري، أعادته ذاكرته ستة وثلاثين عاماً إلى الوراء، وتذكّرني. سأل مدير المصيف إن كان يعرف صديقاً له من أهل آكري كان زميله في جامعة الموصل، ولم يكن يذكر سوى اسمي الأول! ولأن صاحب المصيف يعرفني جيداً، فقد أعطاه رقم هاتفي. اتصل بي حيدر، ابن مدينة الشطرة، ولكن للأسف كان ذلك اليوم هو اليوم الأخير في رحلتهم، ولم نتمكن من اللقاء. لكنه وعد بالعودة قريباً في رحلة أطول إلى كردستان.
عندما عاد حيدر وعائلته إلى الشطرة، دفعه ضميره ليكتب على حائطه في “فيسبوك”: “كردستان أدهشتني.. هناك رأيت القانون والنظافة والنظام والعمران والتقدم والإخلاص. أتمنى أن أرى مدينتي على هذا النحو”. في الحقيقة، ليس حيدر أول من يعبر عن حقيقة التطور في الإقليم ببضع كلمات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن للأسف، رأى الآلاف مثل حيدر نهضة كردستان واختاروا الصمت!