محمد علي محيي الدين
في الأرض التي وُلد فيها الحرف على ضفاف الفرات، وشهدت ميلاد الملحمة من رحم الحقول والأنين، انبثق صوتٌ شعريٌّ عذب، نسج من اللغة وشائج وجدانه، وتسلّق بها سلم الحنين نحو المدى. هناك، في قضاء الهندية بمحافظة بابل، وُلد حيدر محسن الربيعي في مطلع تموز عام 1970، وكأنّ القدر أراده شاهدًا على زمنٍ عراقيٍّ متقلب، ومجسِّدًا لصوتٍ شعريٍّ يُصرّ على أن يظلّ وفيًّا للطين والعطر والحنين.
بدأ خطواته الأولى في مدارس مدينته، وراح ينهل من معين اللغة العربية حتى تخرّج في كلية الآداب، الجامعة المستنصرية، عام 1995، ثم عاد ليكمل مسيرة العلم متوّجًا إياها بشهادة الماجستير من جامعة بابل في العام 2023، وهو ما يعكس مسيرته العنيدة التي لا تعرف انحناءً، في زمنٍ لم يكن فيه حمل القلم أمرًا هيّنًا، بل أقرب إلى مبارزةٍ مع الأسى.
اشتغل في مهنة التعليم، فكان المعلّم والشاعر معًا، يزرع اللغة في عقول طريّة، بينما يحرث في نفسه أرض الشعر، يرويها من ينابيع المساء ووجع الذكرى. لم يكن الشعر عند الربيعي تمرينًا لغويًا، بل استجابة داخلية لنداءٍ قديم يسكنه، كأنّ الحياة لا تستقيم لديه إلا إذا أعاد تشكيلها بقصيدة.

أصدر أولى مجموعاته الشعرية “موعدٌ تحت المطر” عام 2017، فكان صوته فيها مشبعًا بطين الجنوب ودفء البيوت العراقية، صوتًا ينتمي إلى الضفة التي لا تزال تؤمن بأن الشعر لا يزال قادراً على التئام الجراح. تتالت بعد ذلك نتاجاته الشعرية، فأعدّ للطبع أربع مجموعات أخرى: “تراتيل المساء”، “مسافر إلى المجهول”، “قصائد نثرية”، و”قلائد السماء”. وهي عناوين تكشف عن نزوعٍ صوفيٍّ عاطفيّ، وميل إلى البحث عن المعنى وسط العواصف.
لم يكن حيدر شاعر كتابٍ فحسب، بل كان حضورًا دائمًا في مهرجانات الشعر العراقي، من مهرجان بابل الدولي إلى مجالس رابطة المتنبي وفرسان العمود، شاعرًا يقرأ بقلبه قبل صوته، ويتلو من أوراقه ما يشبه الوصايا لعصرٍ هارب. وقد تُوج حضوره الإبداعي مرارًا بالفوز في مسابقات أدبية حصد فيها المراكز الأولى، ما يدلّ على خصوصية صوته وتميّز تجربته.
انتماؤه للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العراقيين عام 2020، وعضويته في جمعية الرواد المستقلة في بابل، ليسا مجرد انخراط في مؤسسات ثقافية، بل تعبير عن رغبة حقيقية في أن يكون فاعلًا في المشهد الأدبي، لا متفرجًا عليه.
حيدر الربيعي ليس طيف شاعر عابر، بل هو روحٌ تتمشى في القصيدة، قادمةً من عمق الحياة العراقية، مثقلةً بأسئلتها وآمالها. هو شاعرٌ يكتب من المسافة الفاصلة بين الحنين والمقاومة، شاعر لا يتهجّى الألم بل يصهره في سطورٍ تضيء عتمة العابرين.
هكذا يظل الربيعي أحد الأصوات الشعرية التي تستحق الإنصات، لأنه ببساطة، يكتب ما يعيشه، ويعيش ما يكتبه.
وحتى الآن، لا يبدو أن هناك دراسات نقدية موسعة أو مقالات منشورة في المجلات المتخصصة تتناول تجربته الشعرية بشكل تحليلي شامل، وهو أمر شائع بين كثير من شعراء المحافظات الذين يواصلون العطاء بعيدًا عن الأضواء المركزية في بغداد أو العواصم العربية. لكن من خلال تتبّع مشاركاته في المهرجانات الثقافية، والمجالس الأدبية، واحتكاكه المباشر مع الأوساط الشعرية، يمكن أن نرصد انطباعات نقدية شفوية أو أولية عنه.
يتمتع الربيعي بلغة عذبة ممشوقة وتمزج بين صفاء التعبير وحرارة العاطفة، إذ لا يجنح إلى التعقيد ولا يهبط إلى التبسيط المخلّ، بل يمسك بخيطٍ متوازن يجعل شعره قريبًا إلى الذائقة العراقية التقليدية، وخاصة في قصائد “موعد تحت المطر”.
ونصوصه تميل إلى الشجن والتأمل، وتستمد قوتها من الصدق العاطفي، وهو ما يمنح شعره قربًا وجدانيًا لدى المتلقي، وخصوصًا في الأمسيات التي قرأ فيها نصوصًا تتعلق بالغربة والانتماء والموت والحنين.
وفي تقاليد القصيدة العربية فهو يكتب قصيدة تُراعي الإيقاع والموسيقى حتى في النثر، ما يجعله من الشعراء الذين لم ينساقوا وراء الحداثة الشكلية، بل حافظوا على الروح العربية في الشعر، بتلوينات جديدة. وقوته لا تتجلّى فقط على الورق، بل في أدائه الشفاهي، إذ أن إلقاءه يضيف إلى النص بُعدًا وجدانيًا آخر، ويمنحه تأثيرًا حيًّا يتجاوز ما هو مكتوب.
وقصيدته “بابل الروح” التي القاها في مهرجان بابل للثقافات المنعقد خلال عام 2025 تعطي صورة مضيئة لشعره، ففيها يرسم الشاعر لوحة شعرية فارهة تحتفي بمدينة بابل، لا بوصفها جغرافيا فحسب، بل كرمزٍ جمالي وحضاري وروحي، مستخدمًا اللغة العمودية بما تحمله من إيقاع وهيبة، ليعبر عن مزيجٍ من العشق، والدهشة، والاعتزاز بالتاريخ، والاحتفاء بالجمال الأنثوي والأنثروبولوجي في آنٍ معًا.
القصيدة تنفتح بنداء شعري يحمل طابع الغزل الصريح:
صبي كؤوسكِ في الغرامِ وهاتي وتغنجي حتى الصباحِ الآتي
يبدأ الشاعر بصوت العاشق المفتون، الذي يتوسل الحبيبة بأن تغمره بالوصال، لكنه لا يلبث أن ينقل هذا الغرام من خصوصيته الجسدية إلى رمزية عُليا، حيث تتماهى صورة الحبيبة مع بابل ذاتها. فنحن أمام توظيف رمزي تنصهر فيه المدينة مع المرأة، فيصبح التغزل بها هو احتفاء بتاريخها وفتنتها وفرادتها.
والقصيدة طويلة النفس، بنيت على البحر الكامل بإيقاعه الغني (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)، ما منحها تدفقًا موسيقيًا متينًا يناسب موضوعها الاحتفالي. وقد حافظ الشاعر على قافية موحدة (الألف والتاء المكسورة)، ما أضفى وحدة صوتية عززت الانسجام بين الأبيات.
وتتحول بابل في النص إلى كيان أنثوي فاتن، له “ثغر” و”خد” و”عذوق”، وتشبه بـ”الخريدة”، و”اللوحة” و”التحفة”، فهي ليست مدينة بل معشوقة مكتملة الصفات. هذا التحول الرمزي يعكس قدرة الشاعر على توليد صورة حضارية عبر تشخيص المدينة وجعلها كائنًا حسيًا وروحيًا معًا:
يا حسنهـا شـف الربـيـع نـضـارةً فاخضلَّ منه الرملُ في الفلواتِ
كما تعج القصيدة بالصور المركبة والمشحونة بالعاطفة والجمال البصري. فالشاعر لا يصف الطبيعة وحسب، بل يخلق منها مرآةً للحالة الشعورية الداخلية. كمثال:
هو ثغرُ بابلَ في اللواعجِ خمرةٌ رشـف الهوى فـتلثـم الوجناتِ
فالصورة هنا تتجاوز الوصف إلى صناعة إحساسٍ بالشغف والانخطاف، حيث يصبح ثغر المدينة كأس خمر يتداوله الوجدان.
كما يحضر في القصيدة التاريخ البابلي القديم ممثلًا في “عشتار” و”هاروت وماروت”، لكنه لا يُستدعى بوصفه ماضٍ جامد، بل كأيقونة حيّة في نسيج القصيدة، تتآلف فيها الأسطورة مع الحاضر، فتغدو المدينة بوابة للدهشة:
نزعت دثارَ الدهرِ يوم ترنمت عشتارها بالشدْو والكلماتِ
وفي نهايات القصيدة، يرتفع الصوت الفخرِيّ، ويبدو أن الشاعر ينتقل من مقام العاشق إلى مقام المؤرخ أو الناظم المدافع عن هوية المكان:
يكفيك أن الحرفَ انتِ رسمتهِ وكتبـتِ شرعـاً للـورى بـدواةِ
هذا التزاوج بين الغزل والتاريخ يمنح النص بُعدًا شعريًا مركبًا؛ فهو مديح في قناع الهوى، وحنين في ثوب الفخر.
والقصيدة نص احتفالي عالي النبرة، يجمع بين الغنائية العاطفية والاحتفاء الحضاري، ويعتمد على اللغة الشفيفة والصور الغنية. نجح الشاعر في جعل بابل أنثى تتزين بكل رموز الجمال، كما جعل من القصيدة مناسبة لتجديد العلاقة مع الأرض، والهوية، والذكريات. إنها قصيدة تنبض بالحب والحنين والدهشة، وتكشف عن شاعر يمتلك حسًّا مرهفًا، وثقافة لغوية تُمكّنه من بناء قصيدة تقليدية بروحٍ معاصرة.