مروان ياسين الدليمي
1
أنا الآن،
أجلس على حافة اليوم،
أعدّ ما تبقى من أيامي على مضض.
الزمن أمامي،
صامت مثل قطارٍ عالق في نفق بلا ضوء،
وكل ثانية تتلوّى في يدي كسمكة هاربة من سلّة مهترئة.
الهواء يهمس باسمي بصوت أمي القديم،
والمرايا في الزوايا تبتلع وجهي وتعيده مشوّهًا،
كأنها تخبرني أنني رجلٌ مأخوذ من نصف كتاب لم يُكتب بعد.
أرى الكؤوس
على الطاولة،
تتحرك كما لو كانت تتنفس،
تُهمس بالسر الذي يهرب مني،
والكتب على الرفوف
تضحك صمتًا،
تتذكر كل الحروف التي لم أقرأها بعد،
وتعرف أني أعدّ أيامي على مضض.
الشوارع تمر من نافذتي،
أجنحة من ضباب،
والظلال تمشي على الأرصفة
مثل غرباء يبحثون عن أسماءهم المفقودة.
أنا الآن،
أعدّ،
أراقب،
وأتمنى أن تنتهي بسرعة،
كما لو كان بإمكان نهايةٍ سريعةٍ
أن تمسح شعورًا ممتدًا منذ زمنٍ بعيد.
2
الوقت
يتساقط من أصابعي مثل رملٍ أسود،
أحاول جمعه،
في كل مرة ينزلق
بين الكؤوس،
بين الكتب،
بين أصوات الجدران.
الجدران تتنفس،
تتحدث بلغةٍ لا أفهمها،
وتخبرني أن أيامي ليست لي وحدي،
بل ملك لكل الأشياء التي كنت أظنها صامتة.
أسمع أصوات خطواتي المبعثرة على الأرض،
تتصادم مع ظلي،
يصرخ في وجهي: لمَ لا ترحل ؟ لمَ لا تنتهي؟
أطفالي لم يولدوا بعد،
لم أعد أذكر من كنت في الأمس،
لكن كل شيء يتذكرني،
كل طاولة،
كل نافذة،
كل نافذةٍ ترى نفسها في وجهي.
القهوة على الطاولة،
كيان حي،
تتنهد
وتفكر في الليالي التي قضيتها وحدي،
وتترك بخارها يكتب رسالةً
لا أقرأها إلا بنصف وعي.
السماء فوقي تمطر أصواتًا،
حروفًا تتساقط،
كلمات مختبئة بين الغيوم،
وكأنها تقول:
الحياة ليست أكثر من انتظار،
والموت ليس إلا الباب الذي نختبئ خلفه لنهدأ.
أنا الآن،
أعدّ ما تبقى من أيامي على مضض،
وأشعر أن الأشياء كلها تتساءل: هل أنت مستعجل أم خائف؟
أراها تتكلم،
أستمع،
وأستجيب بلا كلمات،
لأن الكلام، في هذه اللحظة، ثقلٌ زائد،
والصمت وحده هو من يفهم سرّ الرغبة في النهاية السريعة.
3
الساعة على الحائط تنزلق من مكانها،
تصبح خطًّا يقطع الفضاء،
يربك الحروف،
يلتف حول قلبي مثل ثعبانٍ بلا رأس.
أعدّ ما تبقى من أيامي،
وأشعر بأن كل يومٍ يصرخ باسمي،
كأنه يطلب إذنًا للرحيل قبل أن أنهيه.
الأشياء تتحرك من حولي،
الملابس على الكرسي تهمس بأسماء لم أعد أذكرها،
الأقلام على الطاولة تتكسر وتعيد ترتيب نفسها بلا رغبتي.
حتى الضوء في الغرفة يبدو متعبًا،
يستسلم للظلال،
ويتركني وحدي مع لحظاتٍ تتشظى كمرآةٍ مكسورة.
أنا الآن،
أعدّ على مضض،
كل ثانية تتمنى أن تنتهي،
وكل ثانية أحاول أن أهرب من نفسها.
الهواء في رئتي يشبه حلمًا قصيرًا،
والأرض تحت قدمي تتلوى كما لو كانت تقول:
اصمت،
اسمح للنهاية أن تأتي،
دع الأشياء تتحدث دون أن تسرقك الكلمات،
دع الصمت يفتح المعنى،
دع الرغبة في الانتهاء تمر مثل طائرٍ عابر،
لا يلتفت إلى أحد.
وفي النهاية،
أريد فقط أن تنتهي بسرعة،
كأن الحياة كلها مجرد نافذةٍ صغيرة،
أطلّ منها،
أودع الظلال،
وأغلق الباب.
لكن ،
حتى اللحظة الأخيرة،
الأشياء تتنفس،
تتحدث،
وتخبرني أن أيامي ليست لي وحدي،
وأن النهاية ليست إلا بداية أخرى،
مخبأة
بين رماد اللحظات اليومية،
بين أصوات الكتب
والكؤوس
والهواء الذي يمرّ بلا صوت.