هيوا سعاد… أيقونة المسرح في أربيل

د. ابراهيم احمد سمو

في مهرجان عشيات طقوس المسرحية في الأردن، كُرِّم الفنان المسرحي الكوردي هيوا سعاد، نقيب الفنانين في أربيل، تقديرًا لخدماته للفن المسرحي.

حين نذكر المسرح الكوردي المعاصر، لا يمكن أن نتجاوز اسم الفنان هيوا سعاد؛ ذلك الإنسان الذي حمل الأمل منذ نعومة أظفاره، وجعل من الفن رسالةً ومن الخشبة وطنًا ثانيًا له. تعرفتُ عليه قبل أكثر من أربعين عامًا، شابًا صغيرًا في العمر، كبيرًا في الفكر، يفيض طموحًا، ويختزن في داخله طاقة إبداعية لا تنطفئ. كان اسمه “هيوا” ـ أي الأمل ـ عنوانًا لحياته وفنه، وحين وعد أن لا يهجر قريته، أوفى بعهد قطعه على نفسه منذ أول عمل له عام 1984 بعنوان لن أهجر قريتي. ومنذ ذلك اليوم بقي صامدًا، متجذرًا في أرضه، يحمل هموم قريته التي تحولت لاحقًا إلى مدينة عامرة، وإلى وطن يرفرف فيه العلم.

لقد أدرك مبكرًا أن الفن ليس مجرد هواية عابرة، بل علم يُدرَّس ورسالة يُؤدَّى، فالتحق بمعهد الفنون الجميلة، ثم واصل دراسته ليحصل على شهادة البكالوريوس عام 2007. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، لم يتوقف عطاؤه: أخرج 42 عملًا مسرحيًا، وترك بصمته في الدراما التلفزيونية بإخراج ثلاث مسلسلات، كما شارك ممثلًا في بطولة فيلمين، ليؤكد أن طاقاته لا تعرف حدودًا بين المسرح والسينما والتلفزيون. ولم يكتفِ بالعمل الفني، بل حمل القلم إلى جانب الخشبة، فأسس وأدار مجلات متخصصة في الفن، فكان رئيس تحرير سينما وشانو، ثم واصل المهمة اليوم على رأس تحرير مجلة تياتر.

إن ما يميز هيوا سعاد ليس عدد أعماله فقط، بل إيمانه العميق بأن المسرح وسيلة لتجسير الهوة بين الشعوب، ومنبر لإيصال صوتهم إلى أبعد مدى. لقد حمل على عاتقه مهمة ترسيخ الحركة المسرحية في أربيل، ومن خلالها مدّ الجسور مع المسرحيين في العراق والمنطقة والعالم. وبجهوده وإصراره، استطاع أن ينظّم ثماني دورات لمهرجان أربيل الدولي للمسرح، وأربع دورات لمهرجان المونودراما، ليضع أربيل على الخريطة الثقافية الدولية، ويجعلها محطة يلتقي فيها الفنانون من مختلف البلدان، يتبادلون التجارب ويغنون المشهد المسرحي.

ولعل سرّ نجاحه يكمن في إيمانه بأن المسرح ليس ترفًا فكريًا، بل حاجة إنسانية، وصوت الضمير الحي للشعوب. في زمن الأزمات، كان المسرح بالنسبة له نافذة للحرية، وفي زمن الاستقرار كان جسرًا للتواصل الحضاري. ولذلك لم يكن غريبًا أن يُلقب بـ “أيقونة المسرح في أربيل”، تقديرًا لعطائه الممتد على مدى عقود، وتثمينًا لدوره في ترسيخ ثقافة مسرحية أصيلة، تجمع بين الجذور الكوردية والانفتاح العربي والعالمي.

إن تكريم هيوا سعاد اليوم ليس مجرد احتفاء بشخص، بل احتفاء بمسيرة من الإبداع والمثابرة. إنه تكريم لجيل كامل من المسرحيين الذين حملوا راية الفن رغم الصعاب، وجعلوا من المسرح مدرسة للوعي والتغيير. لقد أثبت هيوا أن الفنان الحقيقي هو من يزرع الأمل في قلوب الناس، ويجعل من الخشبة مرآةً لآلامهم وأحلامهم.

وها نحن اليوم أمام تجربة إنسان وفنان، حمل المسرح في قلبه، وحمل قلبه على المسرح، ليترك أثرًا خالدًا في الذاكرة الكوردية والعربية، وليؤكد أن المسرح سيبقى لغة الشعوب وصوتًا لا يمكن أن يُخمد

قد يعجبك ايضا