بلند محمّد… باقٍ ما بقيت الكلمة

احمد زبير باني

ثمةُ أسماءٌ لا تذوي برحيل أصحابها، ولا تنطفئُ جذوتها وإن غابت أجسادهم عن أعيننا. بلند محمّد واحدٌ من هؤلاء الذين يرحلون، لكنّ حضورهم يتجذّر أكثر في الذاكرة والوجدان.

رحيله كان خنجرًا في خاصرة الأدب الكوردي، وكان فقدًا موجعًا لصوتٍ هادئٍ في الظاهر، صاخبٍ في العمق، رجلٌ بدا صامتًا في مجالسه، لكنه حمل في صمته ضجيجَ وطنٍ كامل، وآهاتِ جيلٍ مثخنٍ بالجراح. رحل شاعرُ الألم، وسادنُ الكلمة، لكنّه ترك من خلفه سطورًا تمشي على أقدام الخلود.

ليس الموتُ هو النهايةَ لمن قدّم فكرًا ووهب حياةً كاملةً للكتابة. فـ “سوتنگه‌ه” لم تكن مجرّد رواية، بل كانت صرخةً في وجه القسوة، وصوتًا لآلاف الصامتين في ليالي المعتقلات. و”ژ بیردانکا زیندانێ” لم تكن ذاكرةً شخصية، بل كانت مرآةً للوجع الجمعي، توثيقًا للدموع التي سالت في العتمة، وحكايةً لكلّ مَن تجرّع طعم القيود.

بلند لم يكن أديبًا فقط، بل كان مدرسةً في الصبر، وصورةً للإنسان الذي يواجه العاصفة بقلبٍ صلد، فيكتب ليقاوم، ويبدع ليخلّد، ويؤلمنا برحيله كما أذهلنا بحضوره.

اليوم، ونحن نقف أمام غيابه، لا نملك إلا أن ننحني أمام حضوره المتجذّر فينا. لقد رحل الجسد، لكن الروح المجبولة بالكلمة لا تفنى. ترك بصمةً لا تمحى، وفتح في المكتبة الكردية بابًا للوجع النبيل، حيث يصبح الأدبُ جسرًا بين الذاكرة والخلود.

سلامٌ عليك أيها الحاضر في غيابك، يا من جعلتَ من الألم قصيدةً، ومن السجن كتابًا، ومن حياتك قصّةً للأجيال. إنّ رحيلك ليس خسارةً فحسب، بل وصيّةً لنا أن نبقي الكلمة حيّة، وأن نصون الذاكرة من النسيان

قد يعجبك ايضا