محمد علي محيي الدين
في قلب ناحية الاسكندرية، تلك البلدة الوادعة التابعة لمحافظة بابل، ولد القاص قصي طه جاسم البياتي صيف عام 1968، وكان من الواضح منذ نعومة أظفاره أن ثمة عالماً خفيًّا يسكنه، عالماً لا تُرى ملامحه إلا عبر الكلمات، ولا يُترجم إلا عبر سردٍ يتقن التسلل إلى وجدان القارئ كما يتسلل الحنين إلى روح متعبة.

في مدينته التي تتوسط الريف وتتنفس تراب بابل، نشأ قصي البياتي بين أحلام الطفولة وهموم الواقع، وأكمل دراسته فيها حتى المرحلة الإعدادية عام 1986، ثم شاءت قسوة الحياة أن تحرمه من إكمال المسار الأكاديمي، غير أن انقطاعه عن الدراسة لم يكن انقطاعًا عن المعرفة، بل تحوّل إلى التفاف آخر على الحياة عبر بوابة الإبداع. ومن بين أنقاض الزمن وتحدياته، نهض صوت قصي البياتي السردي ليحكي، ليُدهش، وليمنح الحياة ألوانًا لم تكن لتظهر لولا عينه الرائية.
كتب القصة القصيرة كما يكتب الفلاح العراقي أسطورته اليومية تحت حرّ الشمس وغبار الأرض. كان يحوّل التفاصيل الصغيرة، الوجوه العابرة، الأصوات المنسية، إلى نصوص تنبض بالحياة. منذ أن كان على مقاعد الدراسة بدأ في ممارسة فعل الكتابة، لا بوصفها ترفًا، بل كخلاص داخلي، وكصرخة احتجاج صامتة.
فظهرت قصصه تباعًا في الصحف والمجلات العراقية، من المدى والصباح إلى الاتحاد والصباح الجديد وطريق الشعب، شاهدة على قاص يعرف من أين تُؤكل الكلمة، وكيف تُصاغ الحقيقة دون ضجيج.
لم يكن البياتي طامحًا إلى الشهرة، بل ظل وفيًّا لما هو أعمق: الصدق. وهذا الصدق هو ما جعله يحتفظ بمكانته الأدبية في قلوب أقرانه وفي ذاكرة الحركة الثقافية في مدينته. وقد ترجم هذا الحضور بانضمامه إلى اتحاد أدباء وكتاب بابل منذ عام 1992، وبتفاعله الدائم مع منتدى الإسكندرية الثقافي الذي كان وما يزال متنفسًا للمبدعين في تلك الرقعة العراقية الخصبة بالمعنى.
شارك في أماسي المنتدى، ولم يكن حضوره صوريًا أو عابرًا، بل فاعلًا ومضيئًا، وتُوّج هذا التفاعل بإقامة أمسية خاصة له في مركز شباب الإسكندرية للحديث عن تجربته في القصة القصيرة، مما يؤكد أن نتاجه لم يكن مجرد حبر على ورق، بل تجربة متكاملة نضجت على نار الحياة، واغتنت بخبرة المكان، وتشبّعت بشغف الكلمة.
قصي البياتي، هو أحد أولئك الذين لم يغادروا الهامش، بل صنعوا من الهامش ضوءًا. ظل قريبًا من الناس، من الأرض، من البسطاء الذين تشبه وجوههم قصصه، وتشبه حكاياتهم سطوره. لم يسعَ إلى الأضواء، بل تركها تأتيه على مهل، كما تأتي القَطَرات إلى الجدب، فيُورق الحرفُ ويزهرُ المعنى.
وفي زمن طغى فيه الضجيج على الجوهر، يظل قصي البياتي صوتًا آخر، لا يُجامل، لا يصرخ، بل يكتب فحسب… يكتب كأنما يزرع نخلةً في صحراء، مؤمنًا أن الثمرة ستأتي، وإن بعد حين.