ذياب ال غلام الشاعر الذي نقش الحرف على جدار الطين والروح

محمد علي محيي الدين

في مدينة الشامية، حيث النهر يحاور النخيل، والطين يصغي لأحلام القرويين، وُلد ذياب ال غلام في الأول من تموز عام 1953، ليكون اسمه لاحقًا منقوشًا في الذاكرة الثقافية العراقية، لا كشاعر فحسب، بل كباحث وفنان تشكيلي وناقد متأمل في تقاطعات الفكر والتاريخ والوجدان.

لم يكن طريقه مفروشًا بالشعر وحده، فقد اختار أن يصقل موهبته في معهد الفنون التشكيلية ببغداد، متخصّصًا في السيراميك، وهو فنٌّ يحتاج إلى صبر النحات وذائقة العاشق. من هناك، بدأت ملامح مشروعه الإبداعي تتشكل: روح شعرية تُطوّع الطين، وعقلٌ باحث يُبصر في الغبار ملامح المستقبل، وقلبٌ يخفق بإيقاع الغجر والتاريخ والثورة.
كان ذياب ال غلام من أوائل الذين فهموا أن القصيدة ليست عزلة على الورق، بل فعل وجود، ومقاومة، وحفر في الزمن. كتب عن الحب، والسياسة، والمنفى، والروح، ونجح أن يُمسك بجمر الأسئلة في عالم من الإجابات السهلة. وما بين “ليالي البنفسج” و”الراكض على حافة الحلم” يتبدى شاعر ظلّ يمشي على أطراف الجمر، بلا ادعاء، ولا انكسار.

النقاد الذين عرفوه عن قرب لم يخفِ كثير منهم إعجابهم بذلك الصوت الشعري الذي لا يصرخ، بل يوشوش بالحكمة. وصفه بعضهم بـ”الشاعر الغجري الحكيم”، وآخرون رأوا فيه وارثًا حداثيًا للتقليد النجفي العريق، لكنه تمرد عليه من الداخل، دون أن يخاصمه. يُشبهه البعض بالشجرة الجذرية التي تعرف تربتها لكنها لا تهاب الريح. في نصوصه خليط من الغنائية والاحتجاج، ومن الحنين والمفارقة، ومن التجريب والتأصيل، ما جعله عصيًا على التصنيف، وإن كان دائمًا حاضرًا في المشهد الثقافي.

مؤلفاته ليست نتاج تجربة شاعر فحسب، بل عقل بحثي مشتبك مع قضايا عصره. فقد كتب عن الإسلام والماركسية، وعن حقوق الإنسان، والفن التشكيلي، والسيرة الذاتية، وسرديات الطفولة، وحتى الموروث الشعبي من شعر الدارمي الذي وثّقه بدراية العارف وأناة المُحب. هو شاعر كتب نصف قرن من الوجع، والدهشة، والتمرد، والحنين، وترك لنا منجزًا إبداعيًا متعدّد الطبقات والألوان.

ولم يكن ذياب ال غلام من أولئك الشعراء الذين انكفؤوا في أبراجهم العاجية، بل ظلّ على تماسّ مباشر مع الناس، معهم في الحارات والمقاهي والمنافي. شاركهم الهمّ، وحاورهم في مقالاته ومداخلاته، في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، وفي مهرجانات الشعر من العراق إلى أستراليا. كان صوته هناك، حيث أراد له أن يكون: مع اللاجئين، مع المقهورين، مع الحالمين.

وفي مشواره الطويل، لم يكن الانتماء إلى اتحاد أو جمعية مجرّد لقب، بل شهادة على عطاء متنوع، من معلم إلى فنان، من شاعر إلى باحث، من ناقد إلى مؤرخ محلي حريص على توثيق ما يُهمل، وما يُخشى اندثاره.

إن سيرة ذياب ال غلام، في وجه من وجوهها، سيرة جيل حمل العراق في حقائب السفر والغربة والمنفى والورق. جيلٌ كتب القصيدة لا ليستعرض ذاته، بل لينقذها. جيلٌ أدرك أن الفن لا يُنجز في الهامش، بل يُنتزع من صلب الحياة ومن مرارة التجربة.
ولعلنا حين نعود إلى نصوصه ومخطوطاته القادمة، ندرك كم كان مثابرًا في مشروعه الثقافي، ومدى اتساع قضاياه التي تراوحت ما بين الدين والتاريخ والفن والهوية. شاعر لم يتعب من الأسئلة، ولم يهادن في الحرية، ولم يستسلم لصوت واحد.

ذياب ال غلام، شاعرٌ لم يعش على حافة الحلم فقط، بل كان يصوغه، يكسوه باللون، ويطلقه في فضاء الروح… ليعود لنا في كل قصيدة، أكثر طزاجة، وصدقًا، وشجنًا.

قد يعجبك ايضا