محمد علي محيي الدين
في أزقة “محلة الجامعين” في مدينة الحلة، حيث تتعانق الأزمنة وتتهامس الأرواح بين منائر العلم وسكون الفرات، وُلد عبد الأمير الشلاه سنة 1938م، من سلالة آل الشلاه، تلك العائلة التي اختارت الكتاب والكرامة طريقًا في الحياة. هناك، على مقربة من عكد آل مبارك، تفتّحت عيناه على عالم لم يكن يومًا بسيطًا، فقد شاءت الحياة أن تضعه في صُلب الأحداث، وأن تجعل من قلمه شهادة نضال وذاكرة أمة.

منذ شبابه الأول، حين وقف يافًعا في المظاهرات المنددة بالعدوان الثلاثي على مصر، كان واضحًا أن هذا الفتى لا يكتب فقط، بل يختار أن يعيش ما يكتب. قطع دراسته حينًا، ليعود ويكملها بصلابة لا تعرف التراجع، وتخرّج من معهد تطوير اللغة الإنكليزية في بغداد، ليبدأ رسالته الأولى في التعليم، ناشرًا بذور الوعي في مدارس بابل.
لكن الرياح لم تكن ساكنة. ففي عام 1963، جاء الإقصاء الأول، بسبب انتمائه اليساري، وكأن الوطن يرفض أن يحتمل أبناءه المخلصين. ثم عاد، بعناد العارف، ليواصل التعليم حتى عام 1967، وبين فصل وعودة، وبين درس ومحاضرة، كان الشلاه يبني معالم فكره، بلا صخب، لكن بأثر عميق.
لم يكن عبد الأمير الشلاه كاتبًا عادياً، بل كان راصدًا لتاريخنا المعاصر، ومفكراً انحاز للإنسان، للعدالة، للكرامة. أصدر كتبًا تقاطعت فيها السياسة مع الفكر، والعقل مع الوجدان. في كتابه “العولمة وجه آخر”، عرّى الزيف المتشح برداء الحداثة، وكشف عن مخالب الأسواق التي تُقطّع أوصال الشعوب. وفي “نفطنا ثروة أجيالنا”، نادى بعين خبيرة إلى أن ثروات الأرض لا تُؤكل وحدها، بل تُستثمر من أجل أجيال لم تولد بعد.
أما في كتابه “الجواهري هذا المغني لنور الشمس”، فقد بدا الشلاه شاعريًا في لغته، باحثًا في تحليله، مخلصًا لذلك الصوت الذي ظلّ يغني للشمس في زمن العتمة. ورأى فيه النقاد – كما أشار الأديب عبد الحسين الصالح – تجربة نقدية تخرج عن القوالب الأكاديمية، لتلامس جوهر الشخصية الإبداعية التي تناولها، إذ كان يرى في الجواهري مشروع أمة، لا مجرد شاعر.
وفي كتابه الموسوعي “شذرات من مناهل المعرفة”، المكوّن من مجلدين، نثر الشلاه خلاصة قراءاته، وجعل منه مرجعًا لذواقة الفكر. كتب فيه عن التاريخ والسياسة، عن الشعر والفلسفة، عن العالم والإنسان، بأسلوب يشبه النديم العارف، لا الأستاذ المتعالي.
لم يقتصر أثره على الكتب؛ بل ظل صوته حيًا في المحاضرات التي ألقاها، وفي النوادي الثقافية، وفي المجالس التي حضرها. امتاز أسلوبه بالنقاش الهادئ، والعقلانية التي لا تجامل، والابتسامة التي لا تفارق محيّاه حتى وهو يخوض أعقد القضايا وأكثرها إثارة للجدل. كتب عنه النقاد باحترام، وأشادوا بعمق تحليلاته وبعد رؤاه، إذ لم يكن يكتفي بتفسير الواقع، بل ينفذ إلى جذوره، ويقترح بديلاً أكثر عدلاً وإنسانية.
ولم تغب السياسة عن حياته، فهو الذي دُفع إلى السجون أكثر من مرة بسبب مواقفه، لكنه خرج منها أكثر رسوخًا. كرّمته قيادة الحزب الشيوعي العراقي بدرع الوفاء، تثمينا لمسيرة امتدت أكثر من نصف قرن، بقي فيها وفياً لما آمن به: العدالة، الحرية، وكرامة الإنسان.
رحل عبد الأمير الشلاه في 22 شباط 2021، ودفن في كربلاء، كما لو أراد أن يسكن حيث يختلط الدم بالرمز، والمأساة بالمعنى. وفي أربعينيته، امتلأت قاعة آذار بالأوفياء، بالشعراء والباحثين، برفاق دربه، الذين رأوا فيه لا مجرد باحث أو مثقف، بل قامة فكرية نبيلة… وعقلًا منفتحًا سكنه الوطن.
عبد الأمير الشلاه… لم يكن باحثًا فقط، بل كان ضميرًا يقظًا، عاش بين الناس لا ليعظهم، بل ليشاركهم أحلامهم، وانكساراتهم، ويكتب عنهم لا من علٍ، بل من جوف التجربة. ومن أمثاله تُبنى الذاكرة الثقافية الحية، التي لا يطويها الغياب.