محمد علي محيي الدين
في فضاء الكتابة التأريخية العراقية، حيث تطغى الرواية الرسمية وتُقصى الأصوات الهامشية، ينهض اسم نبيل عبد الأمير الربيعي بوصفه واحدًا من أكثر الكُتّاب والباحثين إخلاصًا لذاكرة البلاد المنسية. فهو لم يكتب عن القصور، ولا عن البلاطات، ولا عن رموز السلطة المتكررة في كتب التاريخ، بل عن الأزقة، والأقليات، والمدن الصغيرة، والناس العاديين، وأصواتهم التي غيّبها ضجيج العسف والتاريخ المعلّب.

وُلِد الربيعي في مدينة الديوانية بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1958، تلك المدينة التي ستحتل مكانة مركزية في مشروعه البحثي لاحقًا. أكمل دراسته الأولية والثانوية فيها، ثم انتقل إلى بغداد ليكمل دراسته الجامعية في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد سنة 1984. وعمل مدرسًا في التعليم المهني في محافظتي الديوانية وبابل قبل أن تدفعه سنوات الحصار والخوف إلى الهجرة نحو الدنمارك، وهناك عاش تجربة الاغتراب، ثم عاد إلى الوطن بعد سقوط النظام عام 2003، وواصل عمله الثقافي إلى أن أُحيل على التقاعد في العام 2019.
الكتابة الأولى: البذرة التي نبت منها الشغف
بدأت علاقة الربيعي بالكتابة مبكرًا، حين نُشر له أول مقال وهو شاب يافع، في جريدة طريق الشعب سنة 1976، وكان بعنوان “أحمد فؤاد نجم، وهجاء السياسيين والحكام”. تلك البداية تنبئ باصطفافه الفكري والوجداني إلى جانب الناس، إذ كان نجم رمزًا للقصيدة الغاضبة في وجه السلطة، ووجدانًا جماهيريًا لملايين الفقراء. ومنذ ذلك المقال، استمرت العلاقة بين الربيعي والصحافة الثقافية، فنشر مقالاته وتحقيقاته في صحف ومجلات واسعة الانتشار مثل طريق الشعب، المدى، الصباح، مجلة الكلمة، مجلة الثقافة الجديدة، وغيرها، كما أغنى الفضاء الرقمي عبر مواقع الحوار المتمدن، موقع النور، شبكة الإعلام في الدنمارك، عينكاوة، وغيرها.
مشروعه الفكري: ذاكرة الهامش في مواجهة النسيان
يتميز مشروع نبيل عبد الأمير الربيعي برؤية فريدة إلى الكتابة التاريخية. فهو لا يؤرخ من الأعلى، بل من أسفل، حيث ينبض التاريخ الحقيقي. عكف على توثيق سِيَر الجماعات المهمشة في العراق، مثل اليهود، والصابئة، والمسيحيين، والبهائيين، والإيزيديين، والشبك، والكاكائيين، وغيرهم من مكونات المجتمع العراقي الذين كانوا جزءًا حيًا من النسيج الوطني، ثم جرى تجاهلهم عمدًا في السرد الرسمي.
لقد كتب عن الدور الذي أدّاه يهود العراق في التعليم والصحافة، وعن اضطهادهم بعد عام 1948، وعن النشاط الصهيوني وكيف تفاعل مع الواقع العراقي، دون أن يقع في فخ التعميم أو الشيطنة. كما عالج بموضوعية مسألة الفرهود، بوصفها ظاهرة اجتماعية تعكس التردي في القيم، وليس كفصلٍ عدائي فحسب. وفي كل مؤلفاته، كان ينبش في الوثائق والمذكرات والكتب النادرة، ويجري مقابلات شفوية، ويقرأ بعين المحقق وسعة صدر المؤرخ.
ولم يقتصر على الجماعات، بل اهتم بالتاريخ المحلي على نحو غير مسبوق، فوثّق بشكل تفصيلي تاريخ مدينة الديوانية في ثلاثة أجزاء، وكتب عن الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991، وسرد أحداثها من وجهة نظر أهلها. كما تناول تاريخ الصحافة المحلية، ونشاط الحزب الشيوعي في بابل، ويوميات التظاهرات الشعبية ما بين 2011 و2021، وكتب سير مناضلين وشخصيات ثقافية لم يكن لها حضور في كتب النخبة.
بين التحقيق والتوثيق… موسوعيّة من نوع خاص
تميّز الربيعي بميل واضح إلى التحقيق التاريخي، فراجع وعلّق على مذكرات عزت ساسون، وحقّق مؤلفات مهمة مثل كتاب الدكتور مصطفى جواد عن “جاوان”، كما أعدّ موسوعات واسعة مثل معجم أعلام يهود العراق، وموسوعة عن تاريخ الأكراد في العراق، وموسوعة قيد الإنجاز عن أعلام وعلماء الديوانية. إن هذا النفس الموسوعي لا ينبع من وفرة مادية أو دعم مؤسساتي، بل من جهد فردي استثنائي يليق بالباحثين الكبار.
منهج الكتابة: التوثيق لا التحشيد
إن السمة الأبرز في أسلوب الربيعي هي الابتعاد عن الانفعال الإيديولوجي، رغم وضوح انتمائه الوطني واليساري. فهو يكتب للإنصاف لا للتحريض، ويؤرخ بقلم محايد دون أن يتخلى عن قناعاته. وقد منحته هذه الموازنة احترامًا واسعًا في الأوساط الثقافية، حيث لا يُتهم بالتحيز رغم تناوله لقضايا شائكة.
آراء النقّاد: قارئ الظلال ومؤرخ المسكوت عنه
نال الربيعي اهتمام النقاد والباحثين، فاعتبره العديد من الأكاديميين مؤرخًا للأصوات الصامتة، وضميرًا ثقافيًا يوثّق ما لا تريد الدولة تذكّره، وما لا تستطيع الصحافة الرسمية أن تقترب منه. وقد وُصفت أعماله بأنها تشكل “سجلًا شعبيًا من الداخل” لتاريخ العراق الاجتماعي والسياسي والديني. ووُصِف بأنه “باحث لا يتكلّم كثيرًا، لكنه يكتب كثيرًا، ويترك أثرًا بعيدًا دون أن يصدر صوتًا عاليًا”، وهو نقيض المثقف الاستعراضي أو الباحث المناسباتي.
أما الباحث محمد علي محيي الدين، أحد أبرز من جاوروه في الكتابة، فقد قال عنه: “الربيعي يكتب بمنهج المؤرخ، لكن بعاطفة الإنسان. يجمع الوثيقة، ويفكّكها، ثم يُعيد تركيبها ضمن رؤية تحترم الإنسان، وتدافع عن الذاكرة الحيّة”.
وفي عام 2022، خُصصت دراسة أكاديمية جامعية في قسم التاريخ بجامعة القادسية عن سيرته ومنجزه، أنجزها الطالب علي حيدر حاكم السعبري، بإشراف الأستاذ الدكتور محمد صالح الزيادي، وهي سابقة نادرة أن يُدرَس باحث وهو ما يزال يكتب ويؤلف.
جوائز وتكريمات: تقدير بلا ضوضاء
حصل الربيعي على عدد من الدروع وكتب الشكر والتقدير من مؤسسات ثقافية، كما نال قلادة الإبداع من مجلة الشرارة، وهي مجلة تُعنى بالثقافة اليسارية والفكر النقدي، ما يُعد تكريمًا رمزيًا لرجل لم تغوِه الألقاب، لكنه صنع لنفسه مكانًا ثابتًا في ذاكرة الثقافة العراقية الحديثة.
شاهد على الزمن العراقي المتغيّر
نبيل عبد الأمير الربيعي ليس مؤرخًا تقليديًا، بل هو ضمير يكتب من داخل الجرح العراقي، بعين لا تجفل من الألم، وبقلم لا يتورع عن قول الحقيقة. لقد بنى مشروعه على قاعدة أخلاقية وإنسانية، فسجّل حكايات من لا صوت لهم، وأحيا ذاكرة العراق المنسية، ووثّق، وحقق، وجمع، وكشف… وظلّ يكتب بلا ضجيج، مخلصًا لمهنته الأسمى: أن يكون المؤرخ شاهدًا عادلًا على زمنٍ يتغير كل لحظة، لكنه لا يجب أن يُنسى.